نجيبة جلال /
كل سنة، يتحول امتحان الباكالوريا عندنا إلى ما يشبه حالة طوارئ وطنية. ترتفع درجات التوتر، تتضاعف خطابات التخويف، وتُفتح منابر الوعظ والتأنيب وكأن الأمر يتعلق بمعركة مصيرية بين الحياة والموت، لا بمجرد محطة دراسية ضمن مسار طويل اسمه الحياة.
لكن ما كشفته تصريحات بعض شبابنا هذه الأيام أخطر بكثير مما قد تقوله نتائج الامتحانات نفسها.
لقد كشفت حجم الهوة… ذلك الانفصال الصامت بين الأستاذ والتلميذ، بين الإطار التربوي والجيل الجديد، بين لغة تُدرّس داخل الأقسام، وعقلية تشكلت بالكامل خارجها.
نعيش فعلًا زمنًا بين زمنين.
فلا أصحاب الخطب الجاهزة استوعبوا أن هذا الجيل تغيرت طريقته في التفكير والنظر إلى العالم، ولا جزء من هذا الجيل احتفظ بتلك المسافة الضرورية من الاحترام لمن هم أكبر سنًا وتجربة.
وهكذا أصبح الجميع يتحدث… دون أن يصغي أحد لأحد.
الباكالوريا، في النهاية، ليست أكثر من عتبة للولوج إلى الدراسات العليا. نعم، هي مهمة، وقد تفتح أبوابًا معينة، لكنها ليست حكمًا نهائيًا على قيمة الإنسان، ولا شهادة تحدد الذكاء، ولا ختمًا يوزع الناجحين والفاشلين في الحياة.
المشكل الحقيقي أننا ما زلنا نعيش داخل ثقافة تعتبر الرسوب في الباكالوريا نوعًا من الإعاقة الاجتماعية، وكأن من لم يحصل على المعدل المطلوب قد انتهى مهنيًا وإنسانيًا.
وهذا واحد من أكبر الأكاذيب التي كررناها لأبنائنا.
كم من شخص لم ينجح في الباكالوريا ونجح في التجارة أو الصناعة أو الفن أو الرياضة أو الحرف أو التكنولوجيا؟
وكم من حامل شهادة عليا ظل عاجزًا عن بناء نفسه خارج الورق المختوم؟
ليس كل الذكاء أكاديميًا.
وليس كل النجاح يمر عبر قاعات الامتحان.
أحيانًا فقط، يكون الله قد فتح لإنسان بابًا آخر غير ذلك الذي يحاول الجميع دفعه نحوه بالقوة.
وأحيانًا، تكون الحياة أذكى من تصوراتنا الضيقة عن النجاح.
لذلك، قليل من الهدوء.
وقليل من الرحمة بأبنائنا.
وقليل من التوقف عن تحويل الباكالوريا إلى محكمة نهائية لتوزيع القيمة الإنسانية على الناس.
فالذي نجح، مبروك له.
والذي لم ينجح، لم تنته حياته.
الطرق إلى النجاح ليست واحدة، والأقدار لا توزع المواهب بنفس الطريقة على الجميع.
وفي النهاية، كما يقول المغاربة ببساطتهم العميقة:
الباك راجل مزيان…
ولكن الرجال ليسوا فقط من حصلوا عليه.





















