نجيبة جلال /
في السياسة، كثيراً ما تُقرأ الكلمات أكثر مما تُقرأ الوقائع، ويُمنح تصريح عابر من الدلالات ما لا تمنحه أحياناً سنوات كاملة من الممارسة السياسية. لذلك، فإن الجدل الذي أثاره استعمال عبد الإله بنكيران لعبارة “القناديح” في حديثه عن مستشاري الملك، يبدو أكبر من التصريح نفسه، وأكثر صخباً من أثره السياسي الحقيقي.
فمنذ صدور التصريح، تعددت القراءات. هناك من رأى فيه مغامرة سياسية في توقيت بالغ الحساسية، قبل محطة انتخابية ستعيد رسم الخريطة الحزبية. وهناك من اعتبره عودة إلى بنكيران القديم، الذي اعتاد صناعة الحدث بالكلمة قبل الفعل. بينما ذهب آخرون إلى ربط الأمر باسم فوزي لقجع، باعتباره أحد الأسماء التي يكثر الحديث عن دورها في المرحلة المقبلة.
أما أنا، فلم يفاجئني ما قاله بنكيران.
قبل أشهر، هاجم الرجل، ومن دون مناسبة مباشرة، مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، بعدما راجت أخبار عن احتمال عودته إلى العمل السياسي. وقال، بما معناه، إنه إذا عاد إلى السياسة فسيكون لكل حادث حديث، مضيفاً حرفياً: “إلا ما وقرناش ما غاديش نوقروه.”
واليوم، عندما يربط احتمال دخول فوزي لقجع إلى العمل الحزبي بذلك السيناريو نفسه، فهو لا يفعل سوى إعادة إنتاج الخطاب ذاته، لأنه يعتبر أن لقجع هو اختيار محيط الملك. لذلك، لم يكن مستغرباً أن يختار مرة أخرى لغة لا تحمل كثيراً من التوقير تجاه مستشار ملكي.
لكن، هل يستحق ذلك كل هذا الحجم من التأويل؟
في تقديري، لا.
فبنكيران لم يتغير كثيراً. لسانه كان دائماً أسرع من حساباته، وهي السمة التي صنعت جزءاً من شعبيته، كما كانت سبباً في كثير من أزماته. واليوم، وبعد سنوات طويلة من العمل السياسي، لا يبدو أن الرجل أصبح أكثر ميلاً إلى ضبط عباراته، بل ربما أصبح أكثر تحرراً من ميزان الكلمات، بفعل العمر والخبرة معاً.
وخلال حديث جمعني ببعض قياديي حزب العدالة والتنمية، طرحت عليهم سؤالاً مباشراً: لماذا تسمحون لبنكيران بأن يظل المتحدث الأول باسم الحزب، وأنتم تدركون أن كلماته لم تعد تُوزن كما كانت؟
لم أجد في أجوبتهم أي دفاع عن مضمون التصريح، ولا أي محاولة لتبريره، بقدر ما وجدت نوعاً من التسليم بأن بنكيران حالة خاصة داخل الحزب. الجميع يدرك حساسية بعض عباراته، والجميع يدرك أيضاً أن لا أحد يستطيع أن ينازع الرجل مكانته التاريخية أو شرعيته التنظيمية.
وفي تلك الجلسة، قال أحد الزملاء الصحفيين، ضاحكاً، إنه لا يتفق مع هذا التوصيف.
وأضاف: داخل العدالة والتنمية، عندما يخطئ بنكيران تُسجل الهفوة باسمه وحده، أما عندما ينجح في تعبئة الحزب وجمع صفوفه، فإن الجميع يقتسم معه النجاح.
ضحك البيجيديون الحاضرون، لأن العبارة، رغم طرافتها، كانت تختصر واقعاً سياسياً يعرفه الجميع.
غير أن السؤال الحقيقي، في نظري، ليس ماذا قال بنكيران، وإنما لماذا لم يرد القصر؟
استمعت إلى عشرات التحليلات، ولم أجد جواباً يقنعني.
لأنني أعتقد أن كثيرين يسيئون فهم طريقة اشتغال الدولة.
فالقصر لا يدير علاقته بالأحزاب بمنطق ردود الأفعال، ومستشارو الملك ليست مهمتهم الدخول في سجالات مع الأمناء العامين للأحزاب، ولا التعامل مع كل تصريح باعتباره إهانة شخصية تستوجب الرد.
وظيفتهم مختلفة تماماً.
إنهم يراقبون، ويقرأون، ويحللون، ويضعون كل ما يجري داخل المشهد السياسي في سياقه الطبيعي. بالنسبة إليهم، الأحزاب مكونات من مكونات الحياة السياسية، وليست أطرافاً في مواجهة مع المؤسسة الملكية.
ولهذا السبب، فإن محيط الملك لا يتحرك بمنطق الأشخاص، ولا بمنطق الحسابات الانتخابية الضيقة. إنه يهيئ للمراحل الكبرى بعين الدولة، لا بعين الحزب، ويقرأ المشهد بمنطق المؤسسة، لا بمنطق الانفعال.
محيط الملك ليست مهمته الدخول في سجالات مع الأمناء العامين للأحزاب، ولا الرد على كل تصريح، أو الانخراط في معارك إعلامية. مهمته القراءة، والتقييم، واستشراف المرحلة المقبلة.
وجميع الأحزاب، مهما اختلفت مرجعياتها أو أحجامها أو قربها أو بعدها عن السلطة، تبقى، في نظر الدولة، مكونات للمشهد السياسي، لا أكثر. فلا حزب مفضلاً لذاته، ولا حزب مستهدفاً لذاته، بل معيار واحد يحكم القراءة:
من هو الحزب الأقدر على مواكبة متطلبات المرحلة؟ ومن يمتلك الكفاءة، والاستقرار، والقدرة على تنزيل الاختيارات الاستراتيجية للدولة في الظرفية التي تعيشها البلاد؟
لذلك، أعتقد أن كثيرين حمّلوا تصريح بنكيران أكثر مما يحتمل، كما حمّلوا صمت القصر أكثر مما يعني.
فالدولة لا تنافس الأحزاب، ولا تعتبر نفسها طرفاً في السجال السياسي اليومي. إنها تضبط قواعد اللعبة أكثر مما تنخرط فيها، وتراقب أداء الفاعلين أكثر مما تنافسهم.
أما عبارة #القناديح، فهي في النهاية واحدة من الأدوات اللغوية التي اعتاد بنكيران استعمالها لإثارة الانتباه وصناعة الجدل. لكنها لا تكفي وحدها لبناء استنتاجات كبرى حول علاقة الدولة بالأحزاب أو اتجاهات المرحلة المقبلة.
في السياسة قد تتصارع الأحزاب حول المواقع، أما الدولة فلا تبحث عن المنتصر في معركة حزبية، بل عن الشريك الأكثر قدرة على خدمة المرحلة، بغض النظر عن اسمه أو مرجعيته أو موقعه.
لذلك، يبقى الجدل حول كلمة “القناديح” أقل أهمية من السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع: من يقرأ المرحلة جيداً؟ ومن يمتلك القدرة على الاستجابة لمتطلباتها؟
ذلك هو السؤال الذي يشغل الدولة… أما ما عداه، فليس سوى قندحة أخرى في المشهد السياسي.





















