اوسار أحمد/
يعيش المشهد الإعلامي المغربي، في شقه الرقمي على وجه الخصوص، مفارقة صارخة بين طفرة كمية غير مسبوقة في عدد الصحف والمنصات الإلكترونية، وبين تراجع مقلق في جودة المضمون وعمق الأثر. إن المتأمل لواقع صحافتنا اليوم يدرك بوضوح أننا أمام أزمة بنيوية تتجاوز مجرد الانتقال التكنولوجي، لتلامس جوهر المهنة وهويتها. فبدل أن يكون الفضاء الرقمي منصة للارتقاء بالنقاش العام وتنوير المجتمع، تحول في جزء كبير منه إلى ساحة تفتقد للبوصلة المهنية، حيث بات اللهاث وراء “الترند” ومطاردة نسب المشاهدة السريعة هو المحدد الرئيسي للأجندة التحريرية، وذلك على حساب التحقيقات الاستقصائية، والملفات الصحفية الرصينة، والتقارير التي تحترم ذكاء المتلقي وتلتزم بأخلاقيات السلطة الرابعة.
هذه الهشاشة في المحتوى ليست معزولة عن السياق الاقتصادي والمؤسساتي الذي تشتغل فيه المقاولات الإعلامية، لا سيما الصغرى منها والجهوية. فهذه المؤسسات التي يفترض أن تكون نبض المجتمع المحلي، وصوته، وعين الرقيب في الهوامش والجهات، تجد نفسها اليوم تصارع من أجل البقاء في ظل بيئة تنافسية غير متكافئة. وتتعمق الجراح مع “أزمة الدعم العمومي”، الذي غالباً ما تعتريه اختلالات في معايير التوزيع والتقييم، مما يترك المقاولات الناشئة والجهوية الجادة في مواجهة مصير مجهول. هذا الخنق المالي يجعلها إما فريسة للإفلاس، أو يدفعها قسراً نحو الانخراط في موجة الإثارة لضمان استمراريتها، بدل أن يُستثمر هذا الدعم كرافعة لتقوية بنياتها التحريرية، وتأهيل مواردها البشرية، وتطوير قدرات صحفييها.
إن هذا الانشغال اليومي بتأمين البقاء المادي ومطاردة التفاعلات الافتراضية العابرة، خلق فراغاً مهولاً في أدوار الصحافة الحيوية، وعلى رأسها أمننا القومي. لقد غاب أو كاد يتوارى دور الإعلام الوطني في تحصين الجبهة الداخلية، والدفاع الاستباقي والذكي عن القضايا الوطنية الكبرى وتوجهات الدولة الاستراتيجية. فالإعلام في جوهره ليس مجرد ناقل محايد للخبر، بل هو حائط صد وسلاح ناعم في زمن حروب الجيل الرابع وحملات التضليل الممنهجة. وعندما تضعف الآلة الإعلامية وتغرق في السطحية، فإنها تترك الرأي العام مكشوفاً أمام الاختراقات الخارجية والسرديات المعادية التي تستهدف استقرار الوطن، وتشوش على إنجازاته ومؤسساته.
وتنعكس هذه الهشاشة الداخلية بشكل مباشر على حضورنا الخارجي، حيث نسجل غياباً مؤسفاً للتأثير الإقليمي للإعلام المغربي. ففي وقت تستثمر فيه دول أخرى ثروات طائلة لبناء أذرع إعلامية قوية وعابرة للحدود، توجه الرأي العام الإقليمي وتصنع الحدث، تظل أغلب صحافتنا متقوقعة في نقاشات محلية ضيقة أو جدالات عقيمة. هذا الانكفاء يجعلنا عاجزين عن تسويق النموذج المغربي التنموي، أو الدفاع عن مصالح المملكة ومواقفها في الفضاءات الإفريقية والعربية والدولية، تاركين الساحة فارغة لأصوات أخرى لتشكيل الصورة النمطية عن منطقتنا.
إن تجاوز هذا الواقع المعقد يتطلب اليوم وقفة تأمل مسؤولة وإرادة حقيقية لإصلاح شامل؛ إصلاح يبدأ بربط الدعم بالاستحقاق المهني والجودة والمردودية، ويعيد الاعتبار للمقاولات الإعلامية الجادة والجهوية كشريك استراتيجي. لقد حان الوقت لكي يستعيد الصحفي دوره كصانع للوعي، وتسترجع الصحافة هيبتها كصمام أمان يدافع عن سيادة الوطن، ويساهم في إشعاعه الدبلوماسي والثقافي، بعيداً عن ضجيج “الترند” وزيف الأرقام.





















