لقد تحدث مكيافيلي طويلاً عن الرجال الموجودين في محيط الأمير، فلم يكتف بتعداد أسمائهم وصفاتهم، بل حدّد وظائفهم، وكشف دوافعهم، وشرح ما يمكن أن يصدر عنهم من وفاء أو خيانة، ومن نصح أو تملق، ومن خدمة للدولة أو استغلال لسلطتها.
تحدث عن الوزراء الذين يشاركون في تدبير شؤون الدولة، وعن أمناء السر الذين يطلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم، وعن المستشارين الذين يُفترض أن يقولوا الحقيقة للأمير، وعن الكبار والنبلاء الذين يحيطون بالحكم، وعن الموظفين والخدم الذين لا يستمدون مكانتهم من قوة ذاتية، وإنما من ثقة الأمير وتفويضه.
كما تحدث عن الطامحين الذين يفكرون في أنفسهم أكثر مما يفكرون في الأمير، وعن الجشعين والناهبين الذين يحوّلون مواقعهم إلى أدوات للاستيلاء على مصالح الناس، وعن المتملقين الذين تمتلئ بهم قصور الحكم، فيخفون الحقيقة عن الأمير ويقولون له ما يرغب في سماعه حفاظاً على قربهم ومنافعهم.
وفي الفصل الثاني والعشرين من كتابه «الأمير»، وضع مكيافيلي قاعدة واضحة لاختبار الوزير:
«إذا رأيت وزيراً يفكر في نفسه أكثر مما يفكر فيك، ويبحث عن مصلحته الخاصة في جميع أعماله، فاحكم فوراً بأنه ليس الرجل الذي ينبغي أن يكون، وأنه لا يستحق ثقتك.»
ثم ذهب أبعد من ذلك، فاعتبر أن أول حكم يصدره الناس على عقل الأمير وحكمته يتأسس على طبيعة الرجال الذين يحيطون به. فإذا كانوا أكفاء وأوفياء، حُسب ذلك للأمير، وإذا كانوا فاسدين وطامعين، نُسب فسادهم إليه، لأن اختيارهم كان من أول قراراته.
وتحدث مكيافيلي أيضاً عن «الكبار» الذين يريدون التحكم في الشعب واضطهاده، وعن المقربين الذين يربطون ظاهرياً مصيرهم بمصير الأمير، بينما يخفون طموحاتهم الخاصة.
وحذّر من الذين يستعملون موقعهم لتحقيق مصالحهم، ودعا الأمير إلى معاملتهم كما لو كانوا أعداء معلنين؛ لأنهم عند أول أزمة لن يترددوا في المساهمة في إضعافه.
لم يترك مكيافيلي صنفاً من رجال البلاط إلا ووضع له اسماً: الوزير، وأمين السر، والمستشار، والنبيل، والموظف، والطامح، والجشع، والناهب والمتملق. كان يراقب حركة الناس داخل دوائر الحكم، ويفكك العلاقة بين السلطة ومن يستفيدون منها، ويدرك أن خطورة المحيطين بالأمير لا تكمن فقط فيما يفعلونه، بل فيما يُنسب إلى الأمير بسبب أفعالهم.
لكنه، على دقته ودهائه، لم يذكر صنفاً آخر ربما كان أشد خطراً من هؤلاء جميعاً. ولعله لم يذكره لأنه لم يكن موجوداً في عصره بالصورة التي نعرفها اليوم، أو لأن وسائل الاتصال
آنذاك لم تكن تسمح له بالتكاثر والانتشار وصناعة الوهم كما تفعل منصات العصر الحديث، أو لأنه صنف نتج عن تطور الجريمة عند الإنسان.
إنه صنف المقربين الوهميين.
أشخاص ليسوا وزراء ولا مستشارين ولا موظفين ولا أمناء سر. لا يحملون صفة رسمية، ولا يتوفرون على تفويض، ولا يملكون قراراً داخل مؤسسات الدولة. ومع ذلك، يتحدثون كما لو أنهم يقيمون في قلب السلطة، ويقررون في مصائر الناس، ويفتحون الأبواب ويغلقونها، ويرفعون هذا ويسقطون ذاك.
هؤلاء لا يستمدون قوتهم من الأمير، بل من ادعاء القرب منه. ولا يمارسون سلطة حقيقية، بل يصنعون الخوف بواسطة سلطة متخيلة. وقد تساعدهم صورة التقطوها صدفة، أو لقاء بروتوكولي، أو علاقة محدودة، أو واقعة معينة، على بناء أسطورة كاملة حول أنفسهم وإيهام الناس بأنهم ينطقون باسم أصحاب القرار.
إن المتملق الذي وصفه مكيافيلي كان يدخل قصر الأمير ليقول له ما يحب سماعه. أما متملق العصر الحديث، فقد لا يدخل القصر أصلاً؛ لكنه يخرج إلى الناس مدعياً أنه يعرف ما يجري داخله.
والوزير الجشع الذي حذر منه مكيافيلي كان يملك بالفعل جزءاً من السلطة ثم يسيء استعماله. أما هذا الصنف الجديد فلا يملك سلطة، لكنه يستعمل اسمها لابتزاز الناس وإرهابهم وتصفية حساباته الخاصة.
وهذا الصنف يشكل خطرا مضاعفاً؛ لأن أفعال هؤلاء لا تُنسب إليهم وحدهم، بل قد ترتبط في أذهان الناس بالأمير وبالدولة ومؤسساتها. فالضحية لا ترى دائماً الفرق بين صاحب السلطة وبين من ينتحل القرب منه، ولا تعرف أين ينتهي القرار الحقيقي وأين يبدأ الادعاء.
وليس للدولة وقت لتصدر كل صباح بلاغاً تكذّب فيه هذا المدعي أو ذاك، وليس من الممكن أن يخرج أصحاب القرار في كل مرة ليعلنوا أنهم لا يعرفون من يتاجر بأسمائهم. وهكذا يستفيد الدجال من الصمت، ويحوّله إلى دليل مزعوم على صحة ادعائه.
ذلك هو الصنف الذي لم يضع له مكيافيلي اسما: دجال السلطة؛ الرجل الذي لا يقف إلى جانب الأمير، لكنه يقنع الناس بأنه يقف خلفه، ثم يرتكب باسم هذا القرب المزعوم أبشع أنواع الظلم.





















