انتهت الانتخابات، وبدأت حسابات الأغلبية. من يتحالف مع من؟ ومن يدخل الحكومة؟ ومن يجلس في المعارضة؟ ستُجاب هذه الأسئلة في الأيام المقبلة. لكن سؤالًا آخر سيبقى بعد توزيع الحقائب: لماذا لم يذهب معظم الناخبين المسجلين إلى صناديق الاقتراع؟
بلغت نسبة المشاركة في انتخابات 23 شتنبر 2026 38,08%. وفي 2007 كانت نحو 37%، ثم ارتفعت إلى نحو 45% سنة 2011، وتراجعت إلى نحو 43% في 2016، قبل أن تتجاوز 50% سنة 2021، حين جرت الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في اليوم نفسه. لا تُفسّر الأرقام نفسها بنفسها، لكنها تقول ما يكفي لفتح نقاش جدي: بعد خمسة عشر عامًا من دستور 2011، عادت المشاركة إلى مستوى قريب من ذلك الذي أثار القلق في 2007.
اختار النهج الديمقراطي العمالي المقاطعة، وأعلنت جماعة العدل والإحسان الموقف نفسه. هذا قرار سياسي معلن لأصحابه، ومن حقهم الدفاع عنه. أما أن نضع كل من غابوا عن التصويت في خانة المقاطعة، فذلك تفسير مريح أكثر مما هو مقنع. قد يكون بين الغائبين من لا يثق بالأحزاب، ومن لم يجد مرشحًا يمثله، ومن صار يعتقد أن تبديل الأسماء لا يبدّل شيئًا في حياته. ولا تسمح نسبة المشاركة وحدها بأن نعرف عدد كل فئة.
والأخطر من المواطن الذي يعلن رفضه، مواطن لم يعد يسأل أصلًا من فاز. لقد تابع الحملات والوعود والخصومات، ثم مضى في يوم الاقتراع إلى شأن آخر. إن صحّ هذا التفسير لدى بعض الغائبين، فالمشكلة أعمق من حملة انتخابية لم تنجح في إقناعهم. إنها تصيب الصلة بين السياسة والناس.
هنا ينبغي أن تسمع الأحزاب ما لا تريد سماعه. لا يمكن أن تطلب من المواطن احترام العمل السياسي، ثم تفتح أبوابها لمن يحوّلون المنافسة إلى تهديد وصخب وبلطجة. ولا يمكنها أن تعده بتخليق الحياة العامة، بينما تتسامح داخل صفوفها مع الخراف السوداء: من يستعمل المال أو النفوذ أو التشهير طريقًا إلى المنصب، ومن يظن أن الفوز يعفيه من الكفاءة والمحاسبة.
التخليق لا يبدأ بعد إعلان النتائج. يبدأ عند اختيار المرشح، وعند تمويل حملته، وفي اللغة التي يخاطب بها منافسيه والناخبين. يبدأ حين يملك الحزب شجاعة إبعاد من يسيء إلى صورته، ولو كان قادرًا على جلب مقعد. فكل مقعد يُربح بهذه الوسائل قد يُفقد السياسة مواطنين لا يعودون إلى الصندوق.
وللمؤسسات نصيبها من السؤال أيضًا. لقد جعل دستور 2011 الاختيار الديمقراطي من ثوابت البناء الدستوري، وأسند في فصله السابع إلى الأحزاب مهمة تأطير المواطنين وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية. فهل بقي التأطير عملًا يوميًا، أم صار زيارة عابرة للأحياء والقرى كلما اقترب الاقتراع؟ وهل يستطيع المواطن أن يرى بوضوح من وعده، ومن قرر، ومن أخفق، ومن تجب محاسبته.
نتائج الصناديق محترمة، وأصوات المشاركين هي التي تحدد التمثيل البرلماني وتفتح طريق تشكيل الحكومة. غير أن احترامها لا يقتضي تجاهل من غابوا. للأغلبية المقبلة تفويض دستوري بالحكم، وعليها كذلك واجب سياسي في استعادة الثقة. وللمعارضة مسؤولية مماثلة: أن تقدم بديلًا يراه الناس في عملها، لا في خطابها وحده.
ما العمل إذن؟ أن تبدأ الأحزاب من نفسها: تنقّي ترشيحاتها، وتقطع مع البلطجة، وتراقب منتخبيها بعد فوزهم، وتفتح نقاشًا حقيقيًا مع المواطنين طوال الولاية. وأن تلتزم الحكومة بوعود محددة يمكن قياسها، وتشرح للناس ما أنجزته وما تعثر. وأن يصبح البرلمان مكانًا تُسمع فيه مشكلات المواطنين وتُسأل فيه الحكومة عنها بجدية.
الورش اليوم أكبر من تشكيل حكومة. تستطيع الأحزاب أن تجمع المقاعد اللازمة للأغلبية، لكنها لن تجمع ثقة من ابتعدوا عنها بالحساب نفسه. تلك الثقة تحتاج سلوكًا جديدًا، ووجوهًا تستحق المسؤولية، ونتائج يلمسها المواطن.
كفى عبثًا بهذا الوطن. فمن ربح الانتخابات مُطالب الآن بأن يثبت أن السياسة قادرة على أن تكسب الناس من جديد.




















