في وقت تعيد فيه أوروبا رسم خريطة سلاسل التوريد الطاقي تحت ضغط التحولات الجيوسياسية والبيئية، يبرز المغرب كلاعب صاعد يعتمد مقاربة براغماتية تقوم على التدرج وبناء المصداقية. تقرير 2025 لمجموعة Metacon السويدية يسلط الضوء على هذه الدينامية من خلال مشروع يبدو محدوداً في حجمه، لكنه غني بدلالاته الاستراتيجية: تزويد المملكة بمحلل كهربائي بقدرة 1 ميغاواط لإنتاج الهيدروجين انطلاقاً من الطاقة الريحية.
ورغم أن المشروع يدخل في خانة التجارب الأولية، إلا أنه يندرج ضمن رؤية أوسع تراهن على تحويل المغرب إلى منصة إقليمية لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا. الرهان لا يقوم على “ضربة إعلامية”، بل على بناء تدريجي لثقة المستثمرين عبر مشاريع قابلة للتطوير، مدعومة بشريك محلي يمتلك قدرة إنتاجية تصل إلى 2000 ميغاواط من الطاقات المتجددة، ما يمنح المشروع مصداقية تقنية ومالية منذ بدايته.
المثير في هذه الخطوة ليس فقط طبيعة المشروع، بل السياق الذي جاء فيه. فبينما تعمل European Hydrogen Bank على استبعاد الفاعلين الصينيين من آليات التمويل، ينجح المغرب في استغلال هذا الهامش عبر شراكات هجينة تجمع بين تكنولوجيا صينية مرخصة، ودمج صناعي أوروبي، وتنفيذ ميداني مغربي. هذه “الثلاثية” تمنح المشاريع المنجزة بالمغرب قدرة على التوفيق بين تنافسية التكلفة وشروط التمويل الأوروبية، في وقت أصبحت فيه “أمن التوريد” معياراً حاسماً في السياسات الطاقية.
من الناحية التقنية، يراهن المشروع على تكنولوجيا المحلل الكهربائي القلوي المضغوط، المعروفة بمرونتها وقدرتها على التكيف مع تقلبات إنتاج الطاقة الريحية. كما تتيح هذه التكنولوجيا إمكانية إعادة تأهيل المعدات بعد سنوات من الاستعمال، ما يفتح الباب أمام سوق خدمات موازية للصيانة والتجديد، وهو ما تراهن عليه Metacon لتعزيز نموذجها الاقتصادي على المدى الطويل.
غير أن أهمية المشروع تتجاوز الجوانب التقنية، لتلامس البعد الاستراتيجي. فالمغرب، الذي أطلق برنامجاً استثمارياً بقيمة 300 مليار درهم لتطوير قطاعات الهيدروجين والأمونياك والوقود الاصطناعي، لا يكتفي بتوفير بنية إنتاجية، بل يسعى إلى خلق طلب داخلي مستدام، خصوصاً في مجالات الأسمدة والصناعة الثقيلة والنقل البحري. هذا التوجه يساهم في تقليص المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق الخارجية، ويعزز جاذبية المملكة كوجهة استثمارية.
على المستوى المالي، قد يبدو العقد الموقع مع Metacon محدوداً بقيمة 1.8 مليون يورو، أي أقل من 10% من إجمالي دفتر طلبات الشركة. لكن أهميته تكمن في كونه بوابة لولوج سوق واعدة في شمال إفريقيا، ومؤشراً على تنويع جغرافي يقلل من مخاطر التركيز على سوق واحدة. كما أن إدراج المغرب ضمن “مناطق النمو الجديدة” في تقرير الشركة يعكس ثقة متزايدة في قدرته على لعب دور محوري في الاقتصاد الطاقي العالمي.
في المحصلة، يقدم هذا المشروع نموذجاً لكيفية تحويل القيود التنظيمية إلى فرص استراتيجية. فبدلاً من الدخول في سباق الأرقام القياسية، يختار المغرب نهج “الخطوة الصغيرة المدروسة”، حيث يشكل كل مشروع لبنة في بناء منظومة متكاملة. وبينما لا تزال تحديات التمويل والطلب قائمة على الصعيد العالمي، يبدو أن المملكة نجحت، حتى الآن، في تفادي ما يسميه الخبراء “وادي التعثر” في مشاريع الهيدروجين، واضعة نفسها على سكة التحول إلى محور طاقي بين إفريقيا وأوروبا.





















