بقلم:هشام البورقي
ليس النقد الصارم لتحالفات اليسار مبالغة كما يُروَّج، بل هو في حد ذاته الحد الأدنى من اليقظة السياسية أمام محاولات متكررة لإعادة تسويق نفس الاختيارات الفاشلة بواجهة جديدة. الحديث عن “تقارب داخل نفس العائلة الفكرية” قد يبدو مريحًا لغويًا، لكنه يخفي عجزًا بنيويًا عن إنتاج بديل فعلي، ويُحوّل السياسة إلى مجرد تمرين في إعادة ترتيب نفس العناصر دون تغيير قواعد اللعبة.
الرهان على “الحد الأدنى المشترك” ليس دائمًا فضيلة سياسية؛ أحيانًا يكون مجرد غطاء هش يخفي غياب مشروع واضح. حين تصبح الأرضية المشتركة ضيقة إلى هذا الحد، فإن التحالف لا ينتج دينامية، بل يُكرّس الغموض ويُؤجل الأسئلة الحقيقية: ما الذي يميز هذا التحالف فعليًا؟ وما الذي سيقدمه غير خطاب عام عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية؟ بدون إجابات دقيقة، يتحول التقارب إلى مجرد شعار انتخابي لا أكثر.
أما الترويج لفكرة “القيمة النوعية” للحضور البرلماني المحدود، فيكاد يكون تبريرًا ضمنيًا للهامشية. صحيح أن الصوت المعارض يمكن أن يزعج، لكن الإزعاج وحده لا يصنع أثرًا سياسيًا مستدامًا. تحويل قلة العدد إلى فضيلة قد يُرضي الضمير النضالي، لكنه لا يغير موازين القوى ولا يخلق بديلًا حقيقيًا في نظر المواطنين الذين يبحثون عن نتائج ملموسة، لا فقط مداخلات قوية تحت قبة البرلمان.
القول بأن الانتقادات “تستبق الصعوبات” فيه قدر من التهرب. فهذه الصعوبات ليست احتمالات نظرية، بل معطيات متكررة في تجارب سابقة لنفس الفاعلين. الفشل في بناء تنظيم قوي، محدودية الامتداد الشعبي، والانحصار داخل دائرة نخب ضيقة—كلها ليست مخاوف مبالغ فيها، بل مؤشرات واقعية. تجاهلها باسم “التجريب” لا يعكس شجاعة سياسية، بل ضعفًا في استخلاص الدروس.
الأخطر من ذلك هو هذا الميل إلى اعتبار أي تشكيك نوعًا من “الحياد البارد” أو حتى عرقلة للمبادرة. في الحقيقة، النقد الجذري هو ما يمنع السياسة من الانزلاق إلى التساهل مع الرداءة. ليس كل تقارب خطوة إلى الأمام، وأحيانًا يكون مجرد التفاف في نفس الدائرة. الانحياز الأعمى لفكرة الوحدة، دون مساءلة مضمونها، قد يؤدي إلى إنتاج كيان هش ينهار عند أول اختبار جدي.
ثم إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هذا التحالف أفضل من التشرذم، بل ما إذا كان قادرًا على كسر نفس المنطق الذي أنتج ذلك التشرذم أصلاً. إذا كان الجواب لا، فإننا أمام إعادة تدوير للأزمة، لا تجاوز لها.
أخيرا و ليس آخرا، منح “فرصة” لتحالف لا يملك مقومات واضحة للنجاح ليس دائمًا موقفًا براغماتيًا، بل قد يكون تأجيلًا لمواجهة الحقيقة: اليسار في حاجة إلى مراجعة عميقة، لا إلى تحالفات ظرفية تُخفي أزمته بدل أن تعالجها.




















