بقلم: هشام البورقي
تواصل حكومة عزيز أخنوش تقديم درسٍ متجدد في فن التفاؤل السياسي. خطابٌ واثق، أرقامٌ مرتبة بعناية، وتصريحات توحي بأن كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح… إلا ذلك المواطن الذي يبدو أنه يعيش في نسخةٍ مختلفة من الواقع.
منذ البداية، كانت الوعود كبيرة بما يكفي لإثارة الانتباه: فرص شغل بالآلاف، تحسين للقدرة الشرائية، وتقليص للفوارق الاجتماعية. وعودٌ بدت وكأنها برنامجٌ جاهز لإعادة كتابة يوميات المغاربة. غير أن الزمن، الذي لا يجامل أحداً، بدأ يكشف أن هذه الوعود تتحرك بوتيرة أبطأ بكثير من وتيرة الخطاب الذي أُعلنت به.
في الأسواق، حيث تُقاس السياسات بميزان الجيب لا بميزان الأرقام، تبدو الحكاية مختلفة تماماً. الأسعار تواصل صعودها بثقة، وكأنها الوحيدة التي استوعبت معنى “النمو المستمر”. أما القدرة الشرائية، التي قيل إنها في صلب الاهتمام، فقد تحولت إلى مفهوم نظري يبحث عن تطبيق عملي. المواطن، من جهته، لم يعد يسأل عن نسب النمو، بل عن ثمن الخبز والخضر و ميدان رئيس الحكومة البيترولي، وهي أسئلة لا تجد دائماً طريقها إلى البلاغات الرسمية.
الحكومة، بطبيعة الحال، لا ترى الأمور من الزاوية نفسها. فهي تتحدث عن إصلاحات كبرى، وبرامج اجتماعية، واستثمارات بمليارات الدراهم، وتدعو إلى الصبر في انتظار جني الثمار. غير أن هذه الثمار، بالنسبة لكثيرين، لا تزال معلقة في شجرة بعيدة، تُرى في الخطابات أكثر مما تُلمس في الحياة اليومية.
المفارقة اللافتة أن الفجوة بين ما يُقال وما يُعاش لم تعد مجرد انطباع عابر، بل صارت موضوع نقاشٍ متكرر في الأوساط الاجتماعية والسياسية. فبين لغة الإنجازات التي تتقنها الحكومة، ولغة الانتظارات التي يتقنها المواطن، تتشكل مسافة يصعب تجاهلها. مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بدرجة الثقة التي تتآكل بصمت.
قد لا تكون الأزمة في كثرة الوعود، بل في سهولة إطلاقها وصعوبة تحقيقها. فالكلمات، مهما كانت منمقة، تفقد بريقها عندما تتكرر دون أثر ملموس. والمواطن، الذي تابع فصول هذا العرض طويلاً، لم يعد يطلب الكثير؛ فقط أن يرى في الواقع ما سمعه في الخطاب.
وهكذا يستمر المشهد: حكومة تتحدث بثقة عن الغد، ومواطن يتعامل بحذر مع اليوم. وبين الاثنين، تظل الحقيقة عالقة، تنتظر من يمنحها فرصة الظهور خارج لغة الأرقام، وداخل تفاصيل الحياة اليومية.




















