من قلب المقر المركزي الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني بحي الرياض بالرباط، لا يشعر الزائر بأنه أمام مجرد بناية إدارية مخصصة لتدبير الشأن الأمني، بل أمام مدينة أمنية متكاملة تعكس صورة المغرب الحديث؛ مغرب المؤسسات القوية، والبنيات المتطورة، والرؤية التي تربط بشكل واضح بين الأمن والاستقرار والتنمية.
في زيارة ميدانية نظمتها المديرية العامة للأمن الوطني لفائدة عدد من مسؤولي وممثلي المنابر الإعلامية الوطنية، من بينها “إكسبريس تيفي”، انكشفت معالم واحد من أكبر المشاريع البنيوية والإدارية التي عرفها مرفق الأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة، في خطوة تعكس التحول العميق الذي تشهده المؤسسة الأمنية المغربية تحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
فالمقر الجديد، المشيد وفق تصور هندسي حديث يمتد على مساحة شاسعة، يبدو أقرب إلى مدينة أمنية متكاملة منها إلى إدارة تقليدية، حيث تتجاور التكنولوجيا المتطورة مع الهوية المعمارية المغربية، في مزج يعكس قدرة المغرب على التوفيق بين الأصالة والحداثة داخل مؤسساته السيادية.
ومنذ اللحظات الأولى للجولة، يلفت الانتباه حجم التنظيم الداخلي ودقة توزيع المصالح والفضاءات، بما يسمح بانسيابية العمل الأمني وتكامل مختلف المديريات والمصالح المركزية التابعة للأمن الوطني داخل فضاء موحد ومتناسق.
الهندسة المغربية حضرت بقوة في تفاصيل البناء والزخرفة، فيما فرضت التكنولوجيا نفسها في مختلف مرافق المركب، من غرف العمليات الذكية وأنظمة القيادة والتنسيق المتطورة، إلى القطب المعلوماتي الذي يعتمد على الأنظمة الرقمية الحديثة في تدبير وتحليل المعطيات الأمنية، في إطار توجه واضح نحو تعزيز مفهوم “الشرطة الرقمية” ورفع قدرات الاستباق الأمني.
كما وقف الإعلاميون على مركز متطور للأرشفة الرقمية وحفظ الوثائق، إلى جانب وحدات متخصصة في الأمن السيبراني وحماية البنيات الرقمية الحساسة، وهو ما يعكس إدراك المؤسسة الأمنية لطبيعة التحديات الجديدة المرتبطة بالفضاء الرقمي والأمن المعلوماتي.
وفي الجانب الإداري والخدماتي، يضم المقر الجديد مركزا متقدما لإنتاج وطبع البطاقة الوطنية الإلكترونية والمعطيات التعريفية وفق معايير أمنية وتقنية دقيقة، بما يكرس التحول الرقمي الذي تشهده الإدارة المغربية ويعزز جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
ولعل من أبرز المرافق التي تعكس مستوى التحديث الذي بلغته المؤسسة الأمنية، قاعة الرماية الحديثة المجهزة بأحدث التكنولوجيات الذكية، والتي تمكن عناصر الأمن الوطني من التدرب في ظروف تحاكي الواقع الميداني الحقيقي، عبر أنظمة محاكاة متطورة تسمح برفع الجاهزية العملياتية وفق المعايير الدولية الأكثر تقدما.
المركب لا يختزل فقط الجانب العملياتي أو الإداري، بل يعكس أيضا رؤية متكاملة للعناية بالعنصر البشري داخل المؤسسة، من خلال فضاءات رياضية حديثة، وصالات للتكوين المستمر، ومرافق للإيواء والدعم اللوجستيكي، إضافة إلى مرآب ضخم تحت أرضي يسهل حركة التنقل والتدخل.
كما يضم المقر قاعة مؤتمرات كبرى مجهزة بأحدث تقنيات الصوت والترجمة والعرض، بطاقة استيعابية تؤهلها لاحتضان لقاءات أمنية وتظاهرات دولية رفيعة المستوى، بما يعزز تموقع المغرب كفاعل إقليمي في مجالات الأمن والتعاون الدولي.
هذا الصرح الأمني الجديد لا يمثل فقط تحديثا للبنية التحتية، بل يعكس فلسفة دولة اختارت أن تجعل من الأمن أحد أعمدة مشروعها التنموي. فالمغرب الذي يستثمر في الموانئ والطاقات المتجددة والقطارات فائقة السرعة، يدرك أيضا أن الاستثمار الحقيقي يمر عبر ترسيخ الاستقرار وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وبفضل العمل الدؤوب الذي يقوده المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، السيد عبد اللطيف حموشي، أصبحت المؤسسة الأمنية المغربية اليوم نموذجا في الجمع بين الاحترافية والتحديث والانفتاح على المواطن، في إطار رؤية تجعل من الأمن ليس فقط وظيفة سيادية، بل ركيزة أساسية من ركائز المغرب الحديث.























