بقلم: حسن منير
في المشهد الإبداعي المعاصر، تحتل الفنانة حورية لعلج مكانةً خاصة تتقاطع فيها الفنون مع الذاكرة والبحث الروحي. فهي فنانة تشكيلية ومصممة تعيش وتعمل في باريس، وتُطوّر تجربة فنية قائمة على فلسفة العناية والترميم والمصالحة مع العالم. ويتجاوز عالمها الإبداعي حدود إنتاج الأشياء الجميلة ليغدو تأملاً عميقاً في الوجود والزمن ومعنى الجمال.
تتشكل الهوية الفنية لحورية لعلج من حساسية استثنائية تجاه اللامرئي. فمسارها الإبداعي يكشف عن قدرة نادرة على إدراك ما يتوارى خلف المظاهر، والإنصات إلى الصمت، واستجلاء الحقائق المطمورة. وتنعكس هذه النزعة الداخلية في ممارسة فنية يصبح فيها كل عمل فعلاً من أفعال الفهم والتعاطف. فهي تتوجه بنظرها إلى هشاشات الإنسان لا من أجل فضحها، بل لتحويلها إلى منابع للنور والأمل.
ويُعدّ مفهوم الترميم أحد المحاور الأساسية في مشروعها الفني. سواء تعلق الأمر بإصلاح الدمى القديمة، أو إعادة تأهيل الأثاث العتيق، أو ابتكار حياة جديدة للأشياء المهملة، فإن الفنانة تدخل في حوار عميق مع الذاكرة المادية. وتستحضر هذه المقاربة بعض الاتجاهات المعاصرة في صيانة التراث، غير أنها تتميز عنها ببعدها الشعري والإنساني. فالأشياء لدى حورية لعلج ليست مجرد مواد جامدة، بل أوعية لذاكرات بشرية، وحاملة لجراح صامتة ومشاعر علّقها الزمن بين الماضي والحاضر.
ويمكن ربط هذه الجمالية القائمة على الترميم بفكر الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، الذي رأى في الأشياء طاقةً تخييلية تكشف أعماق الكائن الإنساني. فعندما تعيد الفنانة الحياة إلى دمى مشوهة أو منسية، فإنها لا تستعيد شكلاً مفقوداً فحسب، بل تسترجع رمزياً وحدةً مهددة بالضياع. ومن ثمّ تبدو كل عملية ترميم استعارةً لإعادة البناء الداخلي وتجسيداً لمعنى الصمود والقدرة على تجاوز الانكسارات.
لغة فنية خاصة قائمة على حب الجمال
يتميز العالم البصري لحورية لعلج أيضاً بسعي دائم نحو الانسجام. فالجمال في أعمالها ليس مجرد قيمة زخرفية أو متعة بصرية، بل تجربة روحية تتيح للإنسان الاقتراب من جوهر الأشياء. وتشارك الألوان والخامات والأشكال في صياغة هذا المسعى نحو التوازن، بما ينسجم مع التقاليد الفلسفية الكبرى التي اعتبرت الجمال طريقاً إلى معرفة أعمق بالواقع.
ويكشف عملها في مجال التصميم عن تمكن لافت من الأنسجة الفاخرة والخامات الراقية والتفاصيل الزخرفية الدقيقة. فدقة الإنجاز التي تميز أعمالها تذكر أحياناً بحرفية الورش الفنية في العصور الوسطى أو برهافة التقاليد الحرفية الشرقية. وتتحول الحرائر والتطريزات والأقمشة بين يديها إلى مواد نحتية حقيقية، تشهد على صبر استثنائي ودقة منهجية تمنح العمل بعداً يكاد يلامس القداسة.
كما تشكل الحضارات القديمة، وخاصة الحضارة المصرية، مصدراً مهماً من مصادر إلهامها. فقد استهوتها الرموز والطقوس والمعارف الباطنية التي ازدهرت في الحضارة الفرعونية، واستلهمت منها تصوراً للفن بوصفه مساراً للارتقاء الداخلي وتهذيب الذات. ومن خلال هذا الارتباط الرمزي، يكتسب عملها عمقاً إضافياً يجعل الماضي في حوار دائم مع الحاضر.
وتكمل تجربتها في الرسم هذه الرؤية الشاملة، إذ تتحول اللوحة إلى فضاء للتأمل تلتقي فيه الظلال والأنوار، والهدوء والقوة، والسكينة والتوتر الخلّاق. ومن خلال أعمالها تدعو المتلقي إلى تجاوز الثنائيات الظاهرة، والسعي نحو رؤية موحدة للوجود تحتضن التناقضات وتتصالح معها.
وهكذا تندرج تجربة حورية العالج ضمن جمالية الوعي والتحول. فهي تبني، بين الفن والتصميم والترميم، لغة شخصية تقوم على حب الجمال، وصون الذاكرة، والإيمان بقدرة الكائنات والأشياء على التجدد. ويشهد مسارها على قناعة جوهرية مفادها أن كل جرح يمكن أن يصبح منبعاً للإبداع، وأن كل مادة مهملة قادرة على استعادة حياتها الثانية بفضل نظرة الفنان وإرادته الخلاقة.
الذاكرة الكامنة في الأشياء: من الترميم إلى إحياء المعنى
تندرج رؤية حورية لعلج ضمن تأمل إنساني عميق في ذاكرة الأشياء وقدرتها على حفظ آثار الذين امتلكوها وعاشوا معها. وعندما تستحضر البيت الشهير للشاعر ألفونس دو لامارتين:
«أيتها الأشياء الجامدة، ألكم روحٌ تتعلق بأرواحنا وتملك قوة الحب؟» فإنها تؤكد منذ البداية تصوراً شعرياً للعالم، ترى فيه الأشياء أكثر من مجرد مواد صامتة؛ إنها خزائن للمشاعر والتجارب والذكريات الإنسانية.
وتغدو الحقيبة القديمة التي تتحدث عنها رمزاً للرحيل والترحال، وللأمل أحياناً وللألم أحياناً أخرى. فخلف ذلك الشيء الذي أنهكه الزمن تختبئ حكايات بشرية، وذكريات سفر، وأحلام مؤجلة، ولقاءات وفراقات. ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بالحفاظ على المادة وحدها، بل بصون ذاكرة فردية وجماعية مهددة بالاندثار.
وفي مجتمع معاصر تحكمه ثقافة الاستهلاك السريع ومنطق الاستبدال الدائم، تقف حورية لعلج موقفاً مضاداً لفلسفة الإقصاء والتخلص من القديم. فهي ترى أن ما تقادم عهده لا يفقد بالضرورة قيمته، بل قد يكتسب مع الزمن عمقاً إنسانياً أكبر.ومن ثمّ يكتسب فعل الترميم بعداً رمزياً بالغ الدلالة. فتنظيف الشيء القديم، وإصلاحه، وتزيينه، وإعادة تشكيله، ليست مجرد عمليات تقنية، بل هي منحٌ لحياة جديدة. وتلتقي هذه الرؤية مع مفاهيم معاصرة حول المرونة النفسية والقدرة على النهوض من جديد؛ فما تعرض للكسر أو التلف ليس محكوماً عليه بالزوال، بل يستطيع أن يستعيد كرامته وجماله بفضل نظرة محبة وخيال مبدع.
وتظل صورة الدمية المثال الأوضح على ذلك. فـ«العيون الحزينة» التي تستعيد بريقها بعد العناية والترميم تحيل بصورة غير مباشرة إلى الإنسان ذاته. فالدمية المرممة تصبح استعارة للكائن الجريح الذي يستعيد ثقته بنفسه ووحدته الداخلية. وهكذا لا يعود الفن عند حورية لعلج مجرد ممارسة جمالية، بل يتحول إلى فعل محبة، وإلى ممارسة للترميم الرمزي ونقل الذاكرة. فالمخيلة والعاطفة، في منظورها، هما القوتان القادرتان على إعادة الحياة إلى ما بدا أن الزمن قد حكم عليه بالنسيان.

























