رغم تعدد برامج دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، ما يزال انتقال هذه المقاولات إلى مرحلة النمو والتوسع يواجه تحديات هيكلية، أبرزها الإكراهات الجبائية وضعف المواكبة والتأطير.
وعملت السلطات المختصة منذ سنوات على إطلاق برامج للتمويل والضمان، من بينها “مقاولتي” و”انطلاقة” و”ضمان إكسبريس”، غير أن عددا من هذه المبادرات لم يحقق النتائج المنتظرة بسبب محدودية المواكبة وضعف قدرات العديد من حاملي المشاريع في مجالات التدبير والتسويق والهيكلة.
وفي هذا السياق، أكد خبراء أن الدولة بدأت منذ سنة 2022 في توجيه جهودها نحو تعزيز المواكبة القبلية والبعدية للمقاولين، عبر توسيع تدخلات مؤسسة تمويلكم وإطلاق برامج جديدة، من بينها برنامج “أنا مقاول” التابع للوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، والذي يستهدف مواكبة 100 ألف مستفيد.
ورغم أن المقاولات الصغيرة جدا والمتوسطة تمثل أكثر من 95 في المائة من النسيج الاقتصادي الوطني، فإن مساهمتها في الناتج الداخلي الخام والاستثمار والتصدير ما تزال محدودة. كما أظهرت معطيات حول ريادة الأعمال أن 53 في المائة من المقاولين ينتمون إلى “مقاولة الضرورة”، فيما يشتغل 70 في المائة منهم في القطاع غير المهيكل، ولا يتجاوز الحاصلون على شهادات جامعية 15 في المائة.
ويرى متخصصون أن عددا من برامج الدعم تظل بعيدة عن متناول المقاولات الصغرى جدا، بسبب اشتراط ملفات مالية وإدارية معقدة، في وقت تفضل فيه المؤسسات البنكية تمويل المشاريع التي تتوفر على ضمانات أكبر وقابلية أعلى للتمويل.
من جهة أخرى، يثير النظام الجبائي انتقادات متزايدة من طرف المقاولين، خاصة في المراحل الأولى من النشاط. ويعتبر خبراء أن بعض الرسوم والاقتطاعات تنمو بوتيرة أسرع من مداخيل المقاولات الناشئة، ما يحد من قدرتها على التطور.
ويبرز هذا الإشكال بشكل خاص لدى فئة المقاول الذاتي، التي تجاوز عدد المسجلين بها 400 ألف شخص مع نهاية سنة 2024. ورغم مساهمة هذا النظام في تشجيع الاندماج في الاقتصاد المهيكل، إلا أن طريقة احتساب الضريبة على أساس رقم المعاملات بدل الأرباح الفعلية، إضافة إلى عدم إمكانية استرجاع الضريبة على القيمة المضافة، تطرح صعوبات أمام عدد من الأنشطة الناشئة.
كما تواجه المقاولات الصغيرة جدا ما يعرف بـ”تأثير العتبات”، إذ يؤدي تجاوز سقوف رقم المعاملات الخاصة بنظام المقاول الذاتي أو المساهمة المهنية الموحدة إلى ارتفاع مفاجئ في الالتزامات المحاسباتية والضريبية والإدارية، ما يدفع بعض المقاولين إلى تجنب التوسع أو البقاء في وضعية شبه مهيكلة.
في حين ، سجلت المداخيل الجبائية للدولة أكثر من 342 مليار درهم خلال سنة 2025، بنسبة إنجاز بلغت 106.9 في المائة مقارنة بالتوقعات، مدفوعة أساسا بارتفاع عائدات الضريبة على الشركات. غير أن خبراء يرون أن هذا المجهود الضريبي يظل مركزا بالأساس على الشركات الكبرى والقطاعات المهيكلة.
وتعكس أرقام إفلاس المقاولات استمرار هشاشة النسيج الاقتصادي، بعدما تجاوز عدد حالات الإفلاس 14 ألف حالة سنة 2023، مع توقعات بتجاوز 16 ألف حالة خلال سنة 2024، نتيجة ضغوط السيولة وارتفاع التكاليف وتأخر الأداء وضعف الرسملة.
ويرى اقتصاديون أن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في خلق المزيد من المقاولات، بل في ضمان قدرتها على الاستمرار والنمو وخلق فرص الشغل، من خلال إرساء نظام جبائي أكثر مرونة وتطوير آليات المواكبة والدعم وفق مراحل تطور المقاولة.





















