يكشف التركيز الواسع الذي خصصه خطاب العرش للقطاع الصناعي عن تحول نوعي في الرؤية الاقتصادية للمملكة، حيث لم يعد الهدف يقتصر على تحقيق معدلات نمو إيجابية، وإنما أصبح يتجه نحو بناء اقتصاد أكثر قدرة على إنتاج القيمة المضافة، وتعزيز السيادة الاقتصادية، والتموقع داخل الصناعات التي سترسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. فالخطاب، من خلال استحضاره لقطاعات السيارات والطيران والبطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر، لا يعدد إنجازات قطاعية فحسب، بل يقدم تصورا متكاملا لمرحلة جديدة قوامها الانتقال من اقتصاد يعتمد على المزايا التقليدية إلى اقتصاد يرتكز على الصناعة والتكنولوجيا والابتكار.
وتعكس المكانة التي منحها الخطاب لصناعة السيارات حجم التحول الذي عرفه الاقتصاد الوطني خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت هذه الصناعة إحدى أهم دعائم الصادرات المغربية، وأسهمت في ترسيخ موقع المملكة ضمن سلاسل الإنتاج العالمية. ولا يقتصر هذا التحول على رفع القدرات الإنتاجية أو توسيع قاعدة التصدير، بل يمتد إلى بناء منظومة صناعية متكاملة، قادرة على استقطاب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وخلق نسيج من الموردين المحليين، بما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
وفي السياق نفسه، يؤشر التركيز على صناعة البطاريات الكهربائية ومحركات الطائرات وأنظمة الهبوط إلى انتقال المغرب من مرحلة استقطاب الصناعات التجميعية إلى مرحلة الانخراط في حلقات أكثر تقدما داخل سلاسل القيمة العالمية. فهذه الصناعات ترتبط مباشرة بالتحولات التكنولوجية التي يشهدها العالم، وتعكس توجها نحو التموقع في قطاعات ذات محتوى معرفي وصناعي مرتفع، بما يتيح للمملكة الرفع من القيمة المضافة لمنتجاتها وتعزيز حضورها في الأسواق الدولية.
كما يبرز إدراج الهيدروجين الأخضر ضمن الأولويات الاستراتيجية إدراكا مبكرا للتحولات التي تعرفها المنظومة الطاقية العالمية. فالخطاب لا ينظر إلى هذا الورش باعتباره مشروعاً طاقياً فحسب، بل يقدمه باعتباره رافعة اقتصادية وصناعية قادرة على استقطاب استثمارات نوعية، وتعزيز الأمن الطاقي، وفتح آفاق جديدة أمام الصناعات التي تبحث عن مصادر طاقة تنافسية منخفضة الانبعاثات، وهو ما ينسجم مع التوجه الدولي نحو الاقتصاد منخفض الكربون.
وفي العمق، يعكس هذا التوجه انتقال النموذج الاقتصادي المغربي إلى مرحلة أكثر تنوعا، تقوم على توسيع قاعدة الإنتاج، وتقليص الاعتماد النسبي على القطاعات التقليدية، من خلال تطوير صناعات استراتيجية قادرة على توليد الثروة، ورفع الإنتاجية، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. وبهذا المعنى، لا يقدم الخطاب الصناعة باعتبارها قطاعا من بين قطاعات الاقتصاد، بل باعتبارها المدخل الرئيس لترسيخ السيادة الاقتصادية، وتعزيز قدرة المملكة على مواكبة التحولات العالمية، والاندماج في اقتصاد المستقبل.
وتؤكد مضامين الخطاب أن هذا التحول لم يكن وليد الظرفية الحالية، وإنما يمثل امتدادا لمسار إصلاحي راكمته المملكة على مدى سنوات، من خلال إطلاق استراتيجيات صناعية متتالية مكنت من بناء قاعدة إنتاجية أكثر صلابة، وجعلت المغرب ينتقل تدريجيا من موقع يستقطب الاستثمار إلى موقع يسعى إلى إنتاج التكنولوجيا، ورفع المحتوى الصناعي المحلي، وتعزيز حضوره في القطاعات الأكثر دينامية على الصعيد الدولي. ومن هذا المنطلق، تبدو الرؤية الملكية متجهة نحو ترسيخ نموذج اقتصادي يقوم على الابتكار والتصنيع والاستدامة، بما يهيئ المملكة لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية، وخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة، وضمان نمو أكثر استدامة في بيئة اقتصادية عالمية تزداد تنافسية وتعقيدا.





















