بقلم هشام البورقي
في خضم التفاعل الكبير الذي رافق قضية “جيل Z 212”، سارع كثيرون إلى تقديم ما جرى على أنه انتصار للضغط الرقمي أو تراجع للدولة أمام حملات مواقع التواصل الاجتماعي. وفي المقابل، ذهب آخرون إلى تصوير الأحكام الصادرة وكأنها استهداف لشباب بسبب اختياراتهم أو مواقفهم. غير أن القراءة الهادئة للوقائع تكشف أن الحقيقة أبعد ما تكون عن هذين التصورين.
منذ البداية، لم تتحدث مؤسسات الدولة عن ملف سياسي، ولم تبن المتابعة على آراء أو مواقف أو شعارات. الملف تأسس على وقائع محددة مرتبطة بعرقلة السير وتعطيل حركة المرور بالطريق العمومية، وهي أفعال يجرمها القانون بشكل واضح. لذلك، فإن محاولة تحويل القضية إلى مواجهة بين الدولة والشباب أو بين السلطة والاحتجاج، لا تنسجم مع طبيعة التهم التي بني عليها الملف منذ يومه الأول.
وفي المقابل، فإن الإفراج عن أغلب المتابعين لا يمكن اعتباره رضوخا لما يسمى بـ”التكرفيص الرقمي” أو استجابة لمنطق الضغط الافتراضي. فالدولة التي قررت الاعتقال عندما رأت أن النظام العام تعرض للمساس، هي نفسها التي اختارت، بعد استكمال المسار القضائي، أن تترك الباب مفتوحا أمام عودة هؤلاء الشباب إلى حياتهم الطبيعية. إنها رسالة مزدوجة وواضحة في الآن نفسه: القانون يطبق عندما يتم تجاوزه، لكن تطبيق القانون لا يعني بالضرورة تدمير المستقبل.
هذه المقاربة ليست جديدة في تدبير الدولة المغربية للملفات ذات الحساسية الاجتماعية. فهي تقوم على معادلة تجمع بين الردع والاحتواء، بين فرض هيبة القانون وعدم تحويل الخطأ إلى وصمة أبدية. فالرسالة التي خرجت من هذا الملف ليست أن كل شيء مباح باسم الاحتجاج، وليست أيضا أن الدولة تبحث عن تصفية حسابات مع الشباب. الرسالة ببساطة هي أن هناك حدودا لا يمكن تجاوزها عندما يتعلق الأمر بالنظام العام وتعطيل المرافق الحيوية، لكن في المقابل ليس هناك توجه نحو إغلاق أبواب المستقبل أمام من أخطأ أو اندفع وراء الحماس أو سوء التقدير.
والواقع أن هذا الملف كشف تحولا عميقا في طبيعة التعبئة لدى جزء من الشباب المغربي. فنحن لم نعد أمام الأشكال التقليدية للاحتجاج التي كانت تؤطرها الأحزاب أو النقابات أو الجمعيات. نحن أمام جيل يتشكل وعيه داخل تطبيقات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” و”يوتيوب”، حيث تتداخل صناعة المحتوى مع الرغبة في التأثير، ويختلط البحث عن “الترند” أحيانا بالفعل الميداني. وفي هذا الفضاء الرقمي المفتوح، قد تتحول فكرة بسيطة أو دعوة عفوية إلى سلوك جماعي تتجاوز نتائجه ما كان متوقعا في البداية.
لهذا السبب بالضبط، لا يمكن لأي دولة مسؤولة أن تتسامح مع ممارسات قد تؤدي إلى شل حركة السير أو خلق الفوضى أو تعريض سلامة المواطنين للخطر. فالدول تقاس بقدرتها على حماية النظام العام قبل أي شيء آخر. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن جزءا من هؤلاء الشباب وجد نفسه منجرفا خلف دينامية رقمية سريعة أكثر مما كان منخرطا في مشروع سياسي واضح المعالم أو في فعل احتجاجي مؤطر.
ومن هنا تبدو أهمية التوازن الذي طبع التعامل مع الملف. صرامة عندما تعلق الأمر بحماية النظام العام، ومرونة عندما تعلق الأمر بمصير شباب ما زال في مقتبل العمر. ردع عندما تم تجاوز الخطوط الحمراء، واحتواء عندما حان وقت استخلاص الدروس.
اليوم، وبعد صدور الأحكام وخروج أغلب المتابعين، ربما حان الوقت لإغلاق باب المزايدات. لا حاجة لتحويل الملف إلى معركة سياسية، ولا إلى مناسبة لتصفية الحسابات أو الاستثمار في المشاعر. هناك أسر انتظرت لأشهر عودة أبنائها، وهناك شباب أمام فرصة جديدة لإعادة ترتيب أولوياتهم وتصحيح أخطائهم.
لذلك، بدل البحث عن إشعال المزيد من التوترات، ربما يكون الموقف الأكثر حكمة هو ترك الناس تفرح بعودة أبنائها، لأن الفتن لا تبني المجتمعات، بينما تبنيها القدرة على التعلم من الأخطاء، واحترام القانون، والحفاظ على الاستقرار دون التخلي عن الأمل في المستقبل. فالدولة التي لا تحكم بمنطق “الترند” أثبتت مرة أخرى أنها قادرة على الجمع بين هيبة القانون وفتح باب العودة.





















