في خضم الجدل المتصاعد حول تداعيات أزمة الهجرة المرتبطة بمدينة سبتة، اختارت الحكومة الإسبانية عبر وزارة الفلاحة والصيد البحري والغذاء الإسباني، توجيه رسالة واضحة بشأن مستقبل علاقاتها مع المغرب، رافضة تحويل الخلافات المرتبطة بتدبير ملف الهجرة إلى مدخل للمساس بالشراكة القائمة بين الرباط والاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، أكد وزير الفلاحة والصيد البحري والغذاء الإسباني، لويس بلاناس، أن تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لا يمكن أن يشكل استجابة ملائمة للتطورات الأخيرة، معتبرا أن طرح هذا الخيار يمثل «خطأ فادحا واقتراحا سخيفا». ويأتي هذا الموقف ليؤكد، من داخل الحكومة الإسبانية، أن العلاقة مع الرباط لا تُقرأ فقط من زاوية الخلافات الظرفية، وإنما في إطار شبكة واسعة من المصالح والملفات المشتركة.
ويبدو أن مدريد تدرك أن طبيعة الشراكة مع المغرب تجعل أي قرار تصعيدي ذا تداعيات تتجاوز ملف الهجرة وحده. فالعلاقات بين الطرفين ترتبط بمجالات متعددة، من التجارة والاستثمارات إلى الأمن ومكافحة الهجرة والتعاون الإقليمي، الأمر الذي يجعل الحفاظ على مستوى مستقر من التواصل والتنسيق جزءاً من حسابات السياسة الإسبانية تجاه المملكة.
ومن هذا المنطلق، شدد بلاناس على ضرورة مواصلة بناء علاقة «بناءة وإيجابية» مع المغرب، مؤكداً أن المصالح الإسبانية تقتضي الحفاظ على استقرار العلاقات والبحث عن سبل تطويرها، خصوصاً في الملفات التي تتطلب تنسيقاً مباشراً بين الجانبين. كما دعا، بشكل ضمني، إلى التعامل مع الإشكالات القائمة من خلال الحوار بدل اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى توسيع دائرة الخلاف.
وتأتي هذه الرسائل في وقت اتخذ فيه ملف سبتة بعداً أوروبياً، بعدما برزت داخل البرلمان الأوروبي مقترحات تدعو إلى تعليق اتفاق الشراكة مع المغرب، باعتبار ذلك وسيلة للضغط على الرباط في سياق تدبير أزمة الهجرة. غير أن هذا الطرح يفتح، في المقابل، نقاشاً أوسع حول مدى قدرة الإجراءات العقابية على معالجة ملفات شديدة التعقيد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعلاقات تجمع بين شركاء تربطهم مصالح اقتصادية وأمنية متداخلة.
أما على الساحة الإسبانية، فقد وفرت الأزمة مادة جديدة للسجال السياسي، ولا سيما لدى بعض مكونات اليمين التي رفعت من حدة خطابها تجاه المغرب. ولم يتوقف هذا التصعيد عند المطالب المرتبطة بالهجرة، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، مع دعوات إلى مقاطعة بعض المنتجات المغربية، وفي مقدمتها المنتجات الفلاحية، إلى جانب المطالبة بإعادة النظر في مقتضيات قانون الهجرة الإسباني.
وسبق للمغرب وأن أعرب بشكل رسمي عبر بلاغ لوزارة الشؤون الخارجية و التعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، عن أسفه لاستمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية في توظيف المملكة لخدمة أجندات داخلية، مسجلا أن ما يبعث على الأسف الشديد أن تسقط أحزاب تاريخية، يفترض أنها متمرسة على التدبير الحكومي، في هذا المستنقع، حيث تطغى المزايدات غير العقلانية والشعبوية على صوت العقل. وعبرت الوزارة عن الأسف لكون مؤسسات تشريعية وقضائية موقرة تتبنى مبادرات غير موفقة تغذي الخلاف. إن هذه الانزلاقات، التي يحل فيها التبخيس محل التبصر، والاتهام محل التحليل الموضوعي، تندرج ضمن استراتيجية تخويف تضر بالجميع.
كما أكدت الوزارة في ذات البلاغ ، أن المملكة المغربية ترفض أن تكون أصلا تجاريا قبيل الانتخابات. كما لا تقبل أن تكون كبش فداء لتصفية حسابات سياسوية. وشددت الوزارة أن الجوار الجغرافي معطى ثابت، والمسؤولون السياسيون هم من يجعلون منه، بفضل شجاعتهم، وبعد نظرهم، رافعة للمستقبل، لتخلص الوزارة إلى أن العقم الاستراتيجي، سيحول هذا الرصيد إلى مصدر للريبة المزمنة والتوترات المتكررة.




















