ليس المجلس الوطني للصحافة مجرد جهاز لتدبير الشؤون الداخلية للمهنة، ولا ينبغي اختزال رئاسته في عملية حسابية لتوزيع المقاعد والمناصب بين الناشرين والصحافيين. فالمجلس، قبل كل شيء، هو الواجهة المؤسساتية للإعلام المغربي، وصورته أمام المجتمع وأمام المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين.
ونحن نمر بمرحلة دقيقة، تحتاج فيها الصحافة المغربية إلى استعادة الثقة وتعزيز حضورها وإشعاعها عربيا وإفريقيا وأوروبيا، يصبح اختيار رئيس المجلس قرارا يتجاوز التوازنات الضيقة. فالمرحلة تحتاج إلى شخصية تمتلك المشروعية المهنية، والقدرة على إدارة الاختلاف، وشبكة العلاقات الضرورية لتمثيل إعلام المملكة المغربية بصورة تليق به.
وفي تقديري، لا أحد داخل الفريق المكون من ممثلي الصحافيين والناشرين يمتلك اليوم ما يمتلكه عبد الله البقالي من حضور مهني وإشعاع عربي ودولي، فضلا عن خبرته الطويلة ومعرفته الدقيقة بخبايا المهنة ومؤسساتها وتحولاتها.
عبد الله البقالي ليس مرشحا بلا تاريخ، ولا اسما يبحث عن موقع جديد. إنه صحافي صاحب مشروعية مهنية ومسار نقابي ومؤسساتي معروف، كما أنه من الشخصيات القليلة القادرة على إدارة الاختلاف من دون تحويله إلى إقصاء، وعلى التعامل مع تعدد الحساسيات داخل الجسم الصحافي باعتباره مصدر غنى لا ذريعة لإقصاء المخالفين.
وهو أيضا واحد من القلائل القادرين على احتواء غضب الصحافيين واستعادة جسور الحوار بينهم، لأنه يحظى بقدر واسع من الثقة والاحترام داخل تيارات صحافية مختلفة، حتى من جانب من لا يتقاسمون معه جميع المواقف والاختيارات.
وتلك خصلة أساسية في مرحلة لا تحتاج إلى رئيس لفريق بعينه، بل إلى رئيس يستطيع مخاطبة الجميع والإنصات إلى الجميع.
لقد دفع الجسم الصحافي ثمنا باهظا لصراعات الأشخاص، ولمنطق الغلبة، ولنزعة التحكم في المؤسسات المهنية من خلال الحسابات الصغيرة. لذلك، لم يعد مقبولا أن يعاد بناء المجلس بالعقليات نفسها التي ساهمت في تعميق أزمته. فلا معنى للحديث عن مرحلة جديدة إذا ظلت الذاتية وهوس الزعامة وتوزيع الغنائم تتحكم في القرارات.
فهل تكون هذه، ولو لمرة واحدة، لحظة يتجرد فيها الجميع من حساباتهم الشخصية؟ وهل يستطيع ممثلو الصحافيين والناشرين الاتفاق على أن رئاسة المجلس ليست مقعدا إضافيا يضاف إلى حصيلة هذا الطرف أو ذاك، وإنما مسؤولية وطنية وصورة للإعلام المغربي أمام العالم؟
إن ترشيح عبد الله البقالي لرئاسة المجلس الوطني للصحافة يمكن أن يشكل فرصة لفتح مرحلة جديدة: صحافة أكثر تصالحا مع ذاتها، ومجلس أكثر قدرة على جمع المهنيين، ومؤسسة تتمتع بالحضور والإشعاع اللازمين للدفاع عن صورة الصحافة المغربية ومصالحها.
قد يختلف البعض مع عبد الله البقالي في مواقف أو تفاصيل، وهذا طبيعي، لكن السؤال الحقيقي ليس: من يرضي جميع الأطراف؟ فهذا أمر مستحيل. السؤال هو: من يمتلك اليوم ما يكفي من الشرعية والخبرة والقبول والقدرة على إدارة الخلاف لقيادة هذه المرحلة؟
الجواب، بعيدا عن الحسابات الصغيرة، يبدو واضحا: عبد الله البقالي هو الوجه الأقدر على قيادة مرحلة جديدة من تاريخ المجلس الوطني للصحافة. فهل تنتصر، هذه المرة، مصلحة المهنة على تضخم الذوات؟




















