لست ضد أن تعلن صحيفة موقفها السياسي، ولا أرى حرجاً في أن تختار، خلال استحقاق انتخابي، مساندة حزب بعينه أو الدفاع عن مرشح محدد لرئاسة الحكومة. فتلك حرية تحريرية، والحرية حق، والحقوق لا تتجزأ؛ فلا تُمنح للبعض وتُحجب عن البعض الآخر.
وفي «قبيلة الصحافيين»، لا يحق لزميل أن يفرض وصايته على زميل، ولا لناشر أن يصادر حق ناشر آخر في التعبير الصريح عن قناعاته واختياراته وارتباطاته السياسية. لذلك، يظل أحمد الشرعي حراً في دعم حزب الأصالة والمعاصرة، وفي مساندة مرشحته لرئاسة الحكومة، ابنة مدينته مراكش. ولا يجوز تحويل الاختلاف معه إلى تخوين، أو إلى مناسبة لتصفية حسابات قديمة.
لكن احترام حقه في إعلان موقفه لا يلزمنا بالصمت عن مناقشة جدوى ذلك الموقف، ولا يمنعنا من مساءلة توقيته وتداعياته السياسية والمهنية. فالحرية التي تمنح صاحب الافتتاحية حق إعلان موقفه هي نفسها التي تمنح الآخرين حق تفكيكه ونقد نتائجه.
ولعل السؤال الحقيقي هنا ليس: هل يحق لمجموعة إعلامية أن تساند حزباً سياسياً؟ فهذا أمر محسوم.
وإنما السؤال هو: ماذا أضاف هذا الإعلان إلى الحزب الذي أراد دعمه؟ وهل منحه قوة انتخابية، أم وضع فوق ظهره حمولة سياسية وإعلامية جديدة؟
ما أثار استغرابي، إذن، ليس اختيار «الجرار» في حد ذاته، وإنما الاعتقاد بأن إعلان مجموعة إعلامية مساندتها لحزب معين قادر على إحداث تحول حاسم في اختيارات الناخبين.
ذلك أن الإعلام المغربي، وعلينا أن نمتلك شجاعة الاعتراف، لم يعد يمتلك التأثير الذي يتصوره البعض.
فصحافتنا لم تنجح في بناء رأي عام قوي حتى حول عدد من القضايا الوطنية الكبرى، ولم تستطع، في مناسبات كثيرة، مواجهة الحملات التي استهدفت المغرب ومؤسساته بالسرعة والفاعلية المطلوبتين.
يجب أن نعترف أن الخطاب الرقمي.زعزع عرش الصحافة التقليدية، وأصبحت الحسابات والصفحات والمؤثرون يؤدون، بطريقتهم وبكل ما يرافقها من فوضى ومخاطر، الوظائف التي كان يُفترض أن تضطلع بها المؤسسات الإعلامية: تفسير الوقائع، وتوجيه النقاش، وصناعة المواقف والتأثير في الجمهور.
إنها حقيقة مؤلمة، لكنها ضرورية لفهم المشهد. وقبل أن تراهن الأحزاب على افتتاحية صحفية لتغيير اختيارات الناخبين، ينبغي للمؤسسات الإعلامية أن تسائل أولاً قدرتها على استعادة ثقة القراء والمشاهدين.
الغريب، إذن، ليس أن تعلن مجموعة إعلامية دعمها لـ«الجرار»، بل أن يتوقع أحد أن يكون لهذا الإعلان أثر انتخابي حاسم، في قطاع يعاني أزمة ثقة وانتشار وتأثير.
بل إن النتيجة قد تكون عكسية تماماً..
فحزب الأصالة والمعاصرة لم يحصل على دعم إعلامي فحسب، وإنما وجد نفسه، منذ لحظة نشر الافتتاحية، مثقلاً بكل المعارك والوسوم والخصومات المرتبطة بالتوجه التحريري للمجموعة التي أعلنت مساندته. ولم يعد الحزب مطالباً بالدفاع عن حصيلته وبرنامجه ووعوده فقط، بل أصبح مضطراً، سواء أراد ذلك أم لم يرده، إلى الإجابة عن أسئلة لا تخصه وحده.
وقدمت ردود الفعل الأولى الدليل على ذلك.
فقد سارع منتقدو الحزب إلى استحضار افتتاحية «كلنا إسرائيليون»، كما أعادوا التذكير بواقعة تجميد عمل صحافية إلى ما بعد الانتخابات، بدعوى حماية الحياد التحريري. واليوم وجد هؤلاء، في إعلان المجموعة نفسها دعم حزب بعينه، فرصة جاهزة للحديث عن تناقض بين الحياد المطلوب من الصحافي والاصطفاف السياسي الذي يمارسه الناشر.
وهكذا، لم تعد الافتتاحية مجرد موقف تحريري معلن، بل تحولت إلى عبء سياسي إضافي على الحزب الذي أرادت مساندته، وإلى مادة انتخابية جاهزة لمنافسيه.
إنها، في الحقيقة، هدية مجانية لمنافسي حزب الأصالة والمعاصرة.
فهذه الافتتاحية، من حيث لا يدري «الباميون»، هي صك براءة سياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار من تهمة التحكم في الإعلام. فمن الصعب الاستمرار في اتهام الأحرار بالهيمنة على المشهد الإعلامي، بينما تعلن مجموعة إعلامية وازنة، بهذه الصراحة، اصطفافها إلى جانب منافسهم الرئيسي ومرشحته لرئاسة الحكومة.
والأخطر أن الافتتاحية أعادت إلى الواجهة شبهة تضارب المصالح في تدبير قطاع الصحافة. فحين يتولى وزير ينتمي إلى حزب سياسي قيادة ورش إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، والإشراف على قطاع التواصل والدعم العمومي، ثم تعلن مجموعة إعلامية حصلت على ثلاثة مقاعد داخل المجلس دعمها الصريح للحزب نفسه، يصبح السؤال مشروعاً: هل فُصّل المجلس الوطني للصحافة من أجل الوصول إلى هذه اللحظة؟
وسيذهب الخصوم أبعد من ذلك، وسيعيدون طرح الاتهام الذي رافق ورش إعادة تنظيم المجلس منذ بدايته: هل كان الأمر إصلاحاً مؤسساتياً يهدف إلى حماية استقلالية المهنة، أم تخطيطاً للسيطرة على المجلس ورسم خريطة الصحافة التي يُراد لها أن تستمر، وتلك التي يُراد لها أن تختفي؟
قد يكون السؤال قاسياً، وقد يتضمن اتهاماً يحتاج إلى إثبات، لكن الافتتاحية جعلت طرحه ممكناً، ومنحت الخصوم مادة جاهزة لترويجه.
وهكذا، أرادت الافتتاحية أن تدعم «الجرار»، فإذا بها تمنح الأحرار أقوى حجة للدفاع عن أنفسهم، وتقدم لهم براءة مجانية من تهمة التحكم في الإعلام. وفي الوقت نفسه، وضعت حزب الأصالة والمعاصرة في مواجهة أسئلة تضارب المصالح، وتداخل الحزبي بالإعلامي، وعلاقته بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة.
كما قدمت لحزب العدالة والتنمية مادة جاهزة لاستعادة خطابه التقليدي حول تداخل المال والإعلام والسياسة، ومنحته فرصة لتقديم نفسه ضحية لاصطفاف إعلامي وانتخابي منظم.
وفي المقابل، ماذا ربح «الجرار»؟
افتتاحية مؤيدة لن تغيّر اتجاهات الناخبين، ولن تعوض أخطاء الحملة أو ضعف التواصل، لكنها حمّلته تبعات سياسية وإعلامية إضافية، ووضعت في أيدي منافسيه ذخيرة انتخابية لم يبذلوا أي جهد للحصول عليها.
إنه، فعلاً، «تغيير مسار» حقيقي… لكن ليس بالضرورة في الاتجاه الذي أراده حزب الأصالة والمعاصرة.




















