يعد الزليج المغربي أحد أبرز رموز الهوية الحضارية للمملكة، إذ تزين زخارفه الهندسية القصور والمساجد والرياضات والأسوار التاريخية، شاهدة على قرون من الإبداع والإتقان. غير أن هذا الفن العريق، الذي أبهر العالم بجماله ودقة تفاصيله، يواجه اليوم تحدياً حقيقياً يهدد استمراريته: تراجع نقل المعرفة التقليدية بين الأجيال.
فخلف تلك الأشكال المتناسقة والألوان الزاهية، تختبئ قواعد رياضية وهندسية معقدة، ظل الحرفيون المغاربة يتوارثونها عبر الأجيال داخل الورشات، من خلال التعلم المباشر والممارسة اليومية. وكان “المعلم” ينقل أسرار المهنة إلى المتدربين منذ سن مبكرة، فيتعلمون كيفية رسم الشبكات الهندسية باستعمال المسطرة والفرجار، إلى جانب إتقان تقنيات التقطيع والتركيب.
لكن التحولات الاجتماعية والقانونية التي شهدها المغرب، وعلى رأسها منع تشغيل الأطفال، غيرت هذا النموذج التقليدي للتكوين. ورغم أن هذه الخطوة تمثل مكسباً مهماً في مجال حماية حقوق الطفل، فإنها أسهمت، بشكل غير مباشر، في إضعاف قنوات نقل هذا التراث الحرفي، ما جعل الأجيال الجديدة تجد صعوبة في اكتساب المهارات الدقيقة التي يقوم عليها فن الزليج.
وأصبحت النتيجة واضحة في تراجع القدرة على ابتكار تصاميم جديدة أو حتى إعادة إنتاج بعض النماذج التاريخية المعقدة، بسبب فقدان المعرفة العميقة بالبنيات الهندسية التي تشكل أساس هذا الفن. ومع مرور الوقت، يزداد خطر تحول الزليج إلى مجرد نسخ متكررة لأنماط قديمة، بدل أن يبقى فناً حياً يتطور ويبدع كما كان عبر التاريخ.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز عمل الأستاذ رشيد بنسليمان كإحدى المبادرات الرامية إلى إنقاذ هذا الإرث الثقافي. إذ يسعى إلى وضع أسس علمية وهندسية دقيقة لفهم أنماط الزليج المغربي وتوثيقها، بما يضمن الحفاظ على أسراره ونقلها إلى الأجيال المقبلة، مع فتح آفاق جديدة للإبداع والتطوير.
ويرى مهتمون بالتراث أن مستقبل الزليج المغربي لن يكون رهين الحفاظ على المهارات اليدوية فقط، بل يتطلب أيضاً توثيقاً علمياً وتكويناً أكاديمياً يجمع بين الحرفة التقليدية والمعرفة الهندسية الحديثة، حتى يظل هذا الفن العريق حاضرا في العمارة المغربية والعالمية.
ويبقى السؤال مطروحا: هل يستطيع الزليج المغربي الصمود في وجه التحولات الاجتماعية والثقافية، أم أن رحيل معلميه سيؤدي إلى ضياع أحد أهم الكنوز الفنية التي ميزت المغرب عبر العصور؟




















