تابعت المداخلة المصورة التي خصصها سليمان الريسوني للدفاع عن تقرير منظمة العفو الدولية بشأن المغرب. و ما أثارني هو أن الدفاع عنه انشغل بمدة إعداده، وعدد صفحاته، وتخصصات المشاركين فيه، أكثر مما انشغل بالسؤال الجوهري:
ما الذي يضيفه من أدلة مستقلة إلى المزاعم التي سبق تداولها؟ وكيف انتقل من شهادات أصحابها إلى اتهام مؤسسات ومسؤولين بأفعال محددة؟
ثماني سنوات من العمل، كما جاء على لسان سليمان، لا تمنح أي تقرير حصانة من النقد. وعدد الخبراء لا يعفي من شرح خطوات الإثبات. فالتحقيق يجب تقييم قدرته على اختبار الروايات، ومواجهة مصادره بالمعطيات المناقضة، والتمييز بين ما ثبت وما بقي احتمالاً، وبين وقوع الفعل وتحديد المسؤول عنه.
الواضح أن صفحات التقرير تعيد تدوير سردية مألوفة: الأشخاص أنفسهم، والمسؤولون المغاربة المستهدفون أنفسهم، والمزاعم نفسها التي تنقلت بين تصريحات ومحتويات لمؤثرين ومقالات في منابر تتخذ مواقف عدائية تجاه المملكة. المستجد الوحيد هو أن التقرير أعاد جمع هذه المواد تحت اسم منظمة دولية. و هذا لا يجعل منها تلقائياً أدلة جديدة.
في المقابل، يمكن الجزم أن ماكينة “حرب السردية” جددت دورتها. تبدأ بنشر الرواية في مقال، ثم يُستشهد بالمقال في تقرير، ثم يعود أصحاب الرواية إلى التقرير ليقولوا إن منظمة دولية أثبتت أقوالهم. بينما أصل المعلومة واحد.
لأن تعدد مرات التداول لا يعني تعدد مصادر الإثبات.
ومن الطبيعي أن يرحب سليمان الريسوني، صاحب الشهادة، بتقرير منح روايته مساحة ومصداقية. لكن هذا الترحيب لا يشكل تحققاً مستقلاً من صحة التقرير. كما أن تكرار المقابلات مع الشخص نفسه، والتدقيق في تفاصيل أقواله، لا يغنيان عن اختبارها بمصادر وأدلة مستقلة عنه.
والسؤال الأكثر إلحاحاً الذي يضرب نهائيا مصداقية التقرير و مدى احترامه لمعايير العمل الاستقصالي فهو يتعلق بموقع الرواية المقابلة فيه.
كل ما جاء في التقرير من وقائع مزعومة، سبق و صدرت بشأنها بلاغات وتوضيحات رسمية، بما فيها بلاغات للنيابة العامة، و التحقيق الجاد، يفترض فيه، عرض مضمونها ومناقشة حججها، للاحتفاظ بالحياد اللازم.
و هذا يعني أن التقرير يفتقد أحد أهم أسس المصداقية: الأمانة العلمية تقتضي إخضاع الروايتين للفحص نفسه، وشرح أسباب ترجيح إحداهما بالأدلة.
كن جهة أخرى، اعتمد الاقرير تصريحات “مصدر مجهول” قدَّم بصفته موظفاً سابقاً في جهاز استخباراتي، و هذا أيضا أحد نقاط ضعف د التقرير، لأن حماية هوية المصرح مهما كانت ضرورية، لا تعفي من توضيح كيفية التحقق من صفته، وحدود اطلاعه المباشر، وأصالة المواد التي قدمها، والقرائن المستقلة التي تسند شهادته.
احترام الحقوق يقتضي التحقيق في الادعاءات بجدية، واحترام الحقيقة يقتضي عدم تقديم ما لم يُحسم بوصفه حقيقة ثابتة.
لا نختلف حول كون المؤسسات الأمنية قابلة للمساءلة، ولا حول كون منظمة العفو الدولية قابلة للنقد. فبقدر ما لا تغني المكانة الأمنية عن الجواب، لا يمكن للسمعة الحقوقية أن تُغني عن البرهان. ومن يطالب الآخرين بالشفافية، عليه أن يوضح كيف بنى استنتاجاته، وكيف تعامل مع الأدلة التي قد تناقضها.
لهذا، لا يجوز لسليمان الريسوني و غيره، تقديم التقرير باعتباره «مزلزلاً» لأنه تقرير،لا يجيب عن الاعتراضات المنهجية. و ييدو أقرب إلى مرافعة تعزز سردية سابقة منها إلى تقرير حقوقي محترم.
التكرار لا يصنع حقيقة، وحجم التقرير لا يعوض قوة الدليل. والتحقيق الذي لا يختبر احتمال خطأ روايته الأساسية يظل عاجزاً عن منح القارئ ما يعده به: معرفة يمكن التحقق منها.




















