تشكل الذكرى السابعة والعشرون لعيد العرش المجيد مناسبة وطنية لاستحضار أبرز الأوراش الإصلاحية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، والتي شكلت منعطفا حاسما في مسار تحديث الدولة وترسيخ دولة الحق والقانون. ويبرز ورش المصالحة الوطنية باعتباره أحد أهم الاختيارات الاستراتيجية التي قادها جلالته، انطلاقا من رؤية ملكية متبصرة جعلت من صون الكرامة الإنسانية، وتعزيز الحقوق والحريات، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، دعائم أساسية لبناء مغرب حديث، متشبث بثوابته ومنفتح على المستقبل.
ومنذ السنوات الأولى لاعتلائه العرش، جعل صاحب الجلالة الملك محمد السادس من معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مدخلا لترسيخ مصالحة شاملة مع الماضي، تقوم على الحقيقة والإنصاف وجبر الضرر، في إطار احترام المؤسسات وسيادة القانون. وتجسدت هذه الإرادة الملكية في اعتماد العدالة الانتقالية باعتبارها خيارا إصلاحيا غير مسبوق على الصعيدين العربي والإفريقي، حيث تم إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، كأول هيئة رسمية من نوعها في المنطقة، عهد إليها بكشف الحقيقة، وجبر الضرر الفردي والجماعي، وحفظ الذاكرة، واقتراح الإصلاحات الكفيلة بعدم تكرار انتهاكات الماضي.
ولم يتوقف هذا الورش عند حدود معالجة الملفات الحقوقية، بل شكل منطلقا لإصلاحات مؤسساتية عميقة، عززت البناء الديمقراطي للمملكة، وأسهمت في تطوير المنظومة الوطنية لحقوق الإنسان. وفي هذا الإطار، تم تعزيز اختصاصات المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي تحول لاحقا إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وفق مبادئ باريس، بما مكنه من الاضطلاع بأدوار أوسع في حماية الحقوق والحريات، وتتبع أوضاعها، وإبداء الرأي بشأن التشريعات والسياسات العمومية ذات الصلة.
كما أسهمت توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة في إغناء مسار الإصلاح الدستوري والمؤسساتي، لاسيما مع دستور سنة 2011، الذي عزز منظومة الحقوق والحريات، وكرس مبادئ الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستقلال السلطة القضائية، بما رسخ مكانة المغرب كنموذج للإصلاح المتدرج في محيطه الإقليمي.
وإلى جانب هذا المسار الحقوقي، أولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس عناية خاصة للبعد الإنساني للمصالحة، من خلال اعتماد سياسة للعفو الملكي تستند إلى قيم التسامح والرحمة وإعادة الإدماج. وقد شملت قرارات العفو الملكي، على امتداد السنوات، آلاف المستفيدين، وفق اعتبارات إنسانية واجتماعية وقانونية، وأسهمت في منح العديد منهم فرصة جديدة للاندماج في المجتمع، في تجسيد للعناية المولوية السامية بفئات مختلفة من النزلاء وأسرهم.
وفي السياق ذاته، واصلت المملكة، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، تطوير مقاربتها في مجال مكافحة التطرف، بالانتقال من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة شمولية تقوم على التأهيل الفكري والديني والنفسي والاجتماعي. ويعد برنامج “مصالحة”، الذي انطلق سنة 2017، أحد أبرز تجليات هذه الرؤية، حيث مكن عددا من النزلاء المدانين في قضايا التطرف والإرهاب من مراجعة أفكارهم، والاستفادة من برامج للتأهيل وإعادة الإدماج، في إطار احترام الثوابت الدينية والوطنية للمملكة.
وتعزيزا لهذا التوجه، تم سنة 2023 إحداث مركز “مصالحة”، ثمرة لشراكة مؤسساتية بين عدد من المؤسسات الوطنية، بهدف توفير إطار دائم لتأهيل وإعادة إدماج المستفيدين من البرنامج، بما يعكس حرص المملكة على ترسيخ نموذج يقوم على الوقاية وإعادة الإدماج، إلى جانب الحزم في مواجهة كل أشكال التطرف والعنف.
وقد حظيت التجربة المغربية في مجال العدالة الانتقالية والمصالحة باهتمام واسع على المستويين الإقليمي والدولي، بالنظر إلى ما حققته من توازن بين كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسساتي، وترسيخ المصالحة المجتمعية، وهو ما جعلها مرجعا تستلهم منه العديد من الدول التي تسعى إلى معالجة ماضيها في إطار احترام القانون والمؤسسات.
ويستند هذا المشروع الإصلاحي إلى رؤية ملكية تستلهم، إلى جانب مبادئ دولة الحق والقانون، القيم السمحة للإسلام الحنيف، القائمة على الرحمة والعفو والتسامح. وقد عبر صاحب الجلالة الملك محمد السادس عن هذا التوجه في خطابه أمام قداسة البابا فرنسيس سنة 2019، حين أكد أن «الله غفور رحيم، وبما أن الرحمة من صفاته تعالى، فقد جعلنا السماحة والعفو والرأفة في صلب عملنا»، في تجسيد للبعد الإنساني الذي يميز السياسة الملكية في تدبير مختلف القضايا.
وبعد سبعة وعشرين عاما من اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، يواصل ورش المصالحة ترسيخ مكانته باعتباره أحد أبرز الإنجازات الحقوقية والمؤسساتية في العهد الجديد، ودليلا على نجاح الرؤية الملكية في تحويل معالجة الماضي إلى رافعة للإصلاح، وتعزيز دولة الحق والقانون، وصيانة الكرامة الإنسانية، وترسيخ الثقة في المؤسسات، بما يعكس حرص جلالته الدائم على بناء مغرب يسوده الأمن والاستقرار والعدالة والتماسك المجتمعي.
























