لم تعد الدبابات الحديثة ومنظومات التسليح الباهظة الثمن وحدها من تحسم المعارك، إذ فرضت الطائرات المسيّرة نفسها لاعباً رئيسياً في الحروب المعاصرة، بعدما مكّنت جيوشاً وتنظيمات محدودة الإمكانيات من توجيه ضربات فعالة لخصوم يتوفرون على تفوق عسكري وتقني كبير.
وبات مشهد دبابات متطورة بملايين الدولارات، محاطة بأقفاص معدنية بدائية الصنع لحمايتها من هجمات الطائرات الانتحارية، يعكس حجم التحول الذي تشهده ساحات القتال، حيث أصبحت وسائل هجومية منخفضة التكلفة قادرة على تهديد أنظمة تسليح باهظة الثمن.
ويعتبر خبراء أن العالم يعيش ثورة عسكرية جديدة، بعد التحولات الكبرى التي عرفها التاريخ الحربي، بدءاً من تشكيلات المشاة الإغريقية، وظهور الفرسان المدرعين، ثم اختراع البارود والثورة الصناعية، وصولاً إلى عصر أصبحت فيه مراكز البحث العلمي والتكنولوجي عاملاً حاسماً في تحديد موازين القوة.
وفي هذا السياق، تواصل القوات المسلحة الملكية المغربية تعزيز توجهها نحو تطوير صناعة وطنية للطائرات المسيّرة، حيث شهدت الفترة الأخيرة توقيع اتفاق لإنتاج أنظمة الدفاع الذاتي الفرنسية “هارماتان IA” محلياً، في خطوة تعكس إدراك المؤسسة العسكرية لأهمية هذا المجال في الحروب الحديثة.
وأظهرت التطورات العسكرية الأخيرة فعالية هذا النوع من الأسلحة، بعدما نجحت طائرات إيرانية مسيّرة في استهداف منشآت عسكرية أمريكية في منطقة الخليج، رغم اعتمادها على منظومات دفاع جوي متطورة. كما أثبتت استراتيجية “هجمات الأسراب” أن مرور عدد محدود من الطائرات المهاجمة يكفي لإحداث أضرار كبيرة، حتى في حال اعتراض القسم الأكبر منها.
وتشير المعطيات العسكرية إلى أن طائرات “شاهد-136” الإيرانية، التي لا تتجاوز تكلفة تصنيع الواحدة منها خمسين ألف دولار، تمكنت من تدمير رادارات أمريكية من طراز AN/TPY-2، تصل قيمة الوحدة منها إلى ما بين 500 مليون ومليار دولار، ما يعكس الفارق الكبير بين تكلفة الهجوم وكلفة وسائل الدفاع.
من جهة أخرى، كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عن نموذج جديد للإنتاج العسكري، حيث يتم تجميع الطائرات التكتيكية والطائرات الصغيرة جداً داخل ورش متنقلة قريبة من خطوط المواجهة، اعتماداً على مكونات متوفرة تجارياً وبأسعار منخفضة، مع إدخال تحسينات مستمرة عليها وفق متطلبات المعركة.
وفي موازاة ذلك، تتطور وسائل الحرب الإلكترونية المضادة للطائرات المسيّرة بشكل متسارع، غير أن ظهور طائرات FPV الموجهة بالألياف البصرية، والتي استخدمها مقاتلو حزب الله ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، يؤكد أن سباق التكنولوجيا العسكرية ما يزال مفتوحاً على ابتكارات جديدة تزيد من تعقيد المشهد.
ويرى متابعون أن الطائرات المسيّرة لم تُحدث، إلى حدود الآن، تحولاً استراتيجياً شاملاً بقدر ما أحدثت تغييراً عميقاً على المستوى التكتيكي، غير أن دورها الحاسم في النزاع بين أذربيجان وأرمينيا أبرز قدرتها على ترجيح كفة المعارك.
ومع تسارع وتيرة الابتكار، يزداد التشكيك في جدوى الاستثمار في بعض أنظمة التسليح الثقيلة والمكلفة، التي قد تصبح عرضة للتجاوز بفعل القفزات التكنولوجية المتلاحقة، في وقت باتت فيه مختبرات البحث العلمي تحتل مكانة لا تقل أهمية عن مصانع الأسلحة التقليدية في رسم ملامح حروب المستقبل.





















