في مشهد سياسي سريالي يعكس أزمة ثقة عميقة، لم تُسدل الستارة على الانتخابات التشريعية في الجزائر بإعلان النتائج، بل رُفعت لتكشف عن فصل جديد من فصول الكوميديا السوداء. حيث فجّر رئيس حركة البناء الوطني، عبد القادر بن قرينة، قنبلة سياسية مدوية حين كشف أن بعض من غادروا الدنيا لم يغادروا بعد السجلات الانتخابية، في مفارقة عجيبة تضع مصداقية الاستحقاق برمته على المحك.
وفي الوقت الذي قاطع فيه الأحياء صناديق الاقتراع بشكل غير مسبوق، أكد بن قرينة بالمعطيات لجوء بعض الجهات إلى استنفار “الموتى” لرفع نسب المشاركة. فقد سُجلت 13 صوتاً لمتوفين في مكتب انتخابي واحد، و9 أصوات في مكتب ثانٍ، و3 أصوات في مركز ثالث، قبل أن تتجلى الكارثة الكبرى في كشف تسجيل ما يناهز 2100 صوت مشبوه في مركز ببلدية العزيز عبد القادر بولاية برج باجي مختار. وأمام هذه الخروقات المفضوحة التي تتكرر مع كل استحقاق، وجه بن قرينة طلباً عاجلاً للنيابة العامة والمحكمة الدستورية والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لفتح تحقيق رسمي فوري يكشف المتورطين في تزوير إرادة الناخبين.
وتأتي “صحوة الموتى” هذه لتغطي على حقيقة سياسية مفجعة؛ إذ أفرزت هذه التشريعيات واحدة من أضعف نسب المشاركة في تاريخ البلاد، والتي بالكاد لامست عتبة 21.24% (هذا إن سلمنا جدلاً بصحة الأرقام الرسمية المعلنة). لغة الأرقام تؤكد أن أربعة أخماس الهيئة الناخبة أداروا ظهورهم للعملية برمتها، حيث لم يُدلِ بأصواتهم سوى 5 ملايين من أصل 23.8 مليون ناخب مسجل. وفي ظل هذا العزوف الكاسح، وُزعت كعكة المقاعد البرلمانية مؤقتاً بتصدر جبهة التحرير الوطني بـ90 مقعداً، تلاها التجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعداً، ثم جبهة المستقبل بـ59 مقعداً، وحركة مجتمع السلم بـ43 مقعداً.
ولا يُعد ملف “تصويت الموتى” زوبعة عابرة في الجارة الشرقية، بل هو مرض مزمن يطفو على السطح مع كل موعد انتخابي. ورغم أسطوانة السلطات المكررة حول المراجعات الدورية والضمانات القانونية، تظل تقارير المعارضة تؤكد أن السجلات الانتخابية لا تزال مرتعاً لأسماء الراحلين، مما ينسف أي حديث عن نزاهة الصناديق.
لتبقى الجزائر في النهاية، بين مقاطعة شعبية حاسمة تعكس حالة من اليأس السياسي واتهامات موثقة بتصويت القبور تنتظر تحركاً قضائياً، أمام مرآة الحقيقة وسؤال محرج لا يقبل التأجيل: هل الأزمة الحقيقية تكمن في الأحياء الذين كفروا بصناديق الاقتراع، أم في الموتى الذين يُجبرون على التصويت بعد رحيلهم؟





















