باحدة عبد الرزاق
أعادت الحملة الإعلامية التي شنتها وسائل إعلام رسمية وأخرى مقربة من دوائر السلطة في الجزائر ضد الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي، عقب تصريحاته الأخيرة، إلى الواجهة سؤالا حساسا يتجاوز شخص المرزوقي ومواقفه، ليمس جوهر العلاقة بين الدولتين وحدود التأثير السياسي في المنطقة: من يملك حق رسم مستقبل تونس، وما حدود الدور الذي يمكن أن تمارسه الدول المجاورة في شؤونها الداخلية؟
فقد اتسمت التغطيات الجزائرية الموجهة ضد الرئيس التونسي السابق بلهجة حادة، تضمنت اتهامات بالعمالة والسعي إلى تأجيج الفوضى وتدويل الأزمة التونسية. غير أن حدة الخطاب، بدل أن تنهي الجدل، فتحت نقاشا أوسع داخل الأوساط التونسية حول طبيعة العلاقة مع الجزائر، ومدى احترام استقلال القرار الوطني التونسي.
ويرى منتقدون للسياسات الجزائرية أن هذه الحملة لا يمكن فصلها عن تصور أوسع للدور الإقليمي الذي تسعى الجزائر إلى الاضطلاع به، خصوصا في محيطها المغاربي. ووفق هذه القراءة، فإن بعض مواقف المؤسسة الحاكمة في الجزائر تعكس رغبة في التأثير في التوازنات السياسية لدى الجيران، تحت عناوين الأمن المشترك أو حماية الاستقرار أو الدفاع عن المصالح الإقليمية.
لكن بالنسبة إلى التونسيين، يظل المبدأ واضحا: الشراكة بين الدول لا تعني الوصاية، والتعاون لا يمنح أي طرف حق التدخل في الخيارات السياسية الداخلية أو توجيه إرادة الشعب.
وقد أثارت بعض المواقف والتصريحات الجزائرية السابقة انتقادات داخل تونس، حيث اعتبرها نشطاء وفاعلون سياسيون مؤشرات على نزعة أبوية تتعامل مع تونس باعتبارها مجالا للتأثير، لا دولة مستقلة تمتلك مؤسساتها وخياراتها الوطنية. وتزداد حساسية هذا النقاش في ظل الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، والانقسامات المتواصلة بشأن مستقبل الديمقراطية والحريات ودور المؤسسات.
وفي هذا السياق، يرفض كثير من التونسيين أن تتحول الخلافات السياسية الداخلية إلى مدخل لتدخلات خارجية، أيا كان مصدرها أو مبرراتها. فالمشهد التونسي، بما يحمله من تعقيدات وتناقضات، يظل شأنا يخص التونسيين أولا، وهم وحدهم من يملكون الحق في تحديد مساره عبر الحوار والمؤسسات والآليات الديمقراطية.
كما يرى منتقدو السلطة الجزائرية أن الخطاب العدائي ضد شخصيات تونسية معارضة قد يثير شكوكا بشأن مدى تقبل بعض دوائر القرار في الجزائر لوجود أصوات سياسية تدافع عن عودة التنافس الديمقراطي والتداول السلمي على السلطة. وتذهب هذه القراءة إلى أن أي تجربة ديمقراطية مستقرة في المنطقة قد تشكل نموذجا ملهما للشعوب، وهو ما يجعل بعض الأنظمة المحافظة على منطق السيطرة الأمنية تنظر إلى التحولات الديمقراطية بعين الريبة.
غير أن اختزال الموقف التونسي في صوت واحد سيكون بدوره قراءة ناقصة؛ فالتونسيون يختلفون في تقييمهم للمرزوقي، ولمسار الحكم، وللعلاقة مع الجزائر. لكن هذا الاختلاف لا يلغي وجود قاسم مشترك واسع يتمثل في التمسك بالسيادة الوطنية ورفض أن يتحول القرار التونسي إلى امتداد لإرادة أي عاصمة أخرى.
إن العلاقة التاريخية بين تونس والجزائر، بما تحمله من روابط اجتماعية واقتصادية وأمنية، تحتاج إلى تعاون متوازن يقوم على الاحترام المتبادل، لا إلى خطاب التخوين أو محاولات التأثير في الاصطفافات الداخلية. فاستقرار تونس لا يتحقق عبر إسكات المعارضين أو تحويلهم إلى خصوم للدولة، كما لا يمكن حمايته بفرض وصاية سياسية من الخارج.
وفي مقابل الحملات الإعلامية والاتهامات المتبادلة، يظل صوت جزء واسع من القوى المدنية والسياسية التونسية واضحا: تونس ليست ساحة نفوذ، وليست ورقة في صراعات إقليمية، ولا يحق لأي دولة، مهما كانت درجة قربها أو حجم مصالحها، أن تحدد للتونسيين شكل نظامهم السياسي أو مستقبلهم الوطني.
والرسالة التي يرفعها المدافعون عن استقلال القرار التونسي لا تحتاج إلى تأويل: دعم تونس لا يعني إدارة خياراتها، والأخوة لا تعني الوصاية، وحماية الاستقرار لا تبرر التدخل في إرادة شعبها.
فمستقبل تونس يصنعه التونسيون، وقرارها يجب أن يبقى تونسيا، حرا ومستقلا، بعيدا عن منطق الهيمنة الإقليمية أو الحسابات الأمنية أو محاولات هندسة المشهد السياسي من خارج حدود البلاد.




















