باحدة عبد الرزاق
لم يحمل اللقاء الإعلامي الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون جديدا على مستوى الرؤية السياسية بقدر ما أعاد إنتاج الخطاب ذاته الذي يطبع مواقف السلطة الجزائرية في السنوات الأخيرة؛ خطاب يقوم على التصعيد اللفظي، واستدعاء الخصومات الإقليمية، وتقديم الشعارات بوصفها بديلا عن الإجابات العملية على التحديات الداخلية والخارجية.
وقد عكست تصريحات تبون، في أكثر من محطة، اتساع الفجوة بين الطموحات التي يسوقها الخطاب الرسمي الجزائري وبين الوقائع الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة المغاربية، وهو ما جعل هذه الخرجة الإعلامية أقرب إلى محاولة لإعادة تسويق سردية السلطة منها إلى تقديم رؤية استراتيجية لمستقبل الجزائر وجوارها.
ولعل أكثر ما أثار الانتباه كان حديث الرئيس الجزائري عن تونس، من خلال استعمال عبارات ذات طابع شعبوي من قبيل: “من يهدد تونس سنهدم خيمته”. ورغم أن الرسالة المعلنة تتمثل في تأكيد ترابط الأمن بين البلدين، فإن اختيار هذا النوع من الخطاب يثير تساؤلات حول طبيعة الدور الذي ترى الجزائر نفسها مؤهلة للقيام به داخل الفضاء المغاربي.
ففي العلاقات بين الدول، لا تُقاس قوة المواقف بحدة العبارات، وإنما بقدرتها على ترسيخ الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق، يرى مراقبون أن ربط أمن تونس بصورة توحي بقدرة الجزائر على التدخل أو الحماية قد يُفهم باعتباره تعبيرا عن تصور يتجاوز منطق التعاون نحو تصور يمنح الجزائر دوراً مركزياً في إدارة التوازنات السياسية والأمنية لدى جيرانها.
كما أن اختزال تعقيدات المشهد المغاربي في مقاربة أمنية يظل، وفق هذه القراءة، قاصراً عن معالجة التحديات الحقيقية التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها ضعف الاندماج الاقتصادي، وتراجع المبادلات التجارية، وتعثر مشاريع التنمية المشتركة، واستمرار غياب رؤية مغاربية موحدة لمواجهة التحولات الدولية.
وعلى صعيد الطاقة، عاد الرئيس الجزائري إلى التأكيد على المكانة الاستراتيجية لبلاده باعتبارها موردا أساسيا للغاز. غير أن هذا الخطاب يصطدم، بحسب عدد من المتابعين، بتحولات عميقة تعرفها الأسواق العالمية للطاقة، حيث أصبحت المنافسة أكثر تعقيداً مع تنوع مصادر الإمداد، وتسارع مشاريع الطاقات المتجددة، وتراجع الاعتماد المطلق على المورد التقليدي.
وفي هذا السياق، تبدو محاولات تقديم الغاز باعتباره ورقة ضغط سياسية أقل فاعلية مما كانت عليه في مراحل سابقة، خصوصا في ظل تزايد الطلب الداخلي داخل الجزائر، وارتفاع كلفة الاستثمار في الحقول الجديدة، والتحديات المرتبطة بالحفاظ على مستويات التصدير بالتوازي مع تلبية الاستهلاك المحلي.
ويبرز هذا التباين بشكل أوضح عند الحديث عن مشاريع الربط الطاقي مع إفريقيا وأوروبا. ففي الوقت الذي يواصل فيه المغرب تسويق مشروع أنبوب الغاز الإفريقي-الأطلسي باعتباره مشروعا للتكامل الاقتصادي والربط القاري متعدد الشركاء، تركز الجزائر على مشروعها العابر للصحراء، وسط تحديات أمنية ولوجستية وتمويلية معقدة تفرضها طبيعة المنطقة التي سيمر عبرها.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد منافسة بين مشروعين، بل باختلاف في فلسفة التعاطي مع التحولات الإقليمية؛ فبينما تقوم إحدى المقاربات على توسيع دوائر الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، تستمر الأخرى في الاعتماد على خطاب القوة والقدرة على فرض التوازنات عبر الأدوات التقليدية للدولة.
أما داخليا، فقد كرر الرئيس الجزائري الوعود المرتبطة بتحسين القدرة الشرائية ورفع الأجور، في وقت لا تزال فيه الجزائر تواجه تحديات اقتصادية تتعلق بالتضخم، وارتفاع الإنفاق العمومي، واستمرار الاعتماد الكبير على عائدات المحروقات، فضلا عن الحاجة إلى تسريع وتيرة تنويع الاقتصاد وتحسين مناخ الاستثمار.
وفي المقابل، يلاحظ متابعون أن الخطاب الرسمي يواصل إرجاع جانب مهم من الصعوبات إلى ما يصفه بالمؤامرات الخارجية والحملات الإعلامية، وهو ما يجعل النقاش العمومي يدور في كثير من الأحيان حول خصومات خارجية أكثر مما ينصرف إلى معالجة الإشكالات البنيوية المرتبطة بالحكامة والتنمية والإصلاح الاقتصادي.
وتكشف خرجة تبون الأخيرة، في المحصلة، استمرار الرهان على الخطاب التعبوي في إدارة الملفات الإقليمية والداخلية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة تتطلب مقاربات أكثر هدوءا وواقعية. فالتحديات التي تواجه الفضاء المغاربي لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الرسائل التصعيدية، بل تحتاج إلى رؤية تقوم على احترام سيادة الدول، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وبناء الثقة بين شعوب المنطقة، باعتبارها المدخل الحقيقي لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المشتركة.





















