لم يكن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، باعتبارها أول امرأة تصل إلى هذا المنصب في تاريخ المغرب، مجرد محطة سياسية جديدة، بل كشف أيضا أن هناك من لا يزال ينظر إلى وصول المرأة إلى مواقع القرار بمنطق ينتمي إلى زمن تجاوزه المغرب منذ سنوات. فبدل أن ينصب النقاش على تجربتها السياسية، وتكوينها، ومسارها في تدبير الشأن العام، وبرنامج الحكومة التي ستقودها، اختار البعض أن يجعل من كونها امرأة سببا للاعتراض. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما العيب في أن تكون رئيسة الحكومة امرأة؟
والحقيقة أن من يطرح هذا السؤال وكأن المرأة المغربية تدخل لأول مرة إلى عالم السياسة، يتجاهل جزءا مهما من تاريخ المغرب. فمنذ العصور التي أعقبت قيام الدول الإسلامية بالمغرب، برزت نساء كان لهن حضور وتأثير في صناعة القرار، وفي مقدمة الأسماء زينب النفزاوية، التي ارتبط اسمها بالدولة المرابطية وبنشأة مراكش، واشتهرت بتأثيرها السياسي في محيط الحكم، ثم السيدة الحرة، التي حكمت تطوان في القرن السادس عشر ومارست نفوذا سياسيا ودبلوماسيا جعل اسمها حاضرا في تاريخ المغرب والمتوسط. لم تكن هؤلاء مجرد شخصيات رمزية، بل نساء تركن أثرا في مسار سياسي كانت أدواته ومؤسساته مختلفة عن الدولة الحديثة.
وحتى في المغرب المعاصر، لم تكن مشاركة المرأة في الحياة العامة حدثا عابرا. فقد دخلت المرأة المغربية البرلمان والحكومة والجماعات الترابية، وتولت حقائب وزارية وقيادات منتخبة ومسؤوليات حزبية وإدارية وقضائية. ومنذ دخول أولى الوزيرات إلى الحكومة في نهاية التسعينيات، أخذ الحضور النسائي يتطور تدريجيا، وصولا إلى حكومة عزيز أخنوش سنة 2021 التي ضمت عند تشكيلها سبع وزيرات، قبل أن يستقر العدد لاحقا عند أربع وزيرات. وفي البرلمان، ارتفع عدد النساء في مجلس النواب من حضور رمزي في التسعينيات إلى 96 نائبة بعد انتخابات 2021، قبل أن يرتفع العدد إلى 107 نائبات في انتخابات 2026، وفق المعطيات المنشورة عقب الاقتراع.
والأكثر دلالة أن المرأة المغربية لم تعد محصورة في قطاعات بعينها، بل دخلت إلى مواقع كانت تعتبر إلى وقت قريب حكرا على الرجال. تولت نساء وزارات الاقتصاد والمالية، والصحة، والتعمير، والسياحة، والانتقال الرقمي وغيرها، كما تولت نساء رئاسة مجالس مدن كبرى، من الدار البيضاء إلى الرباط ومراكش. فإذا كانت المرأة قادرة على إدارة وزارة، أو قيادة مدينة، أو ممارسة التشريع والرقابة داخل البرلمان، فأي منطق يجعل جنسها فجأة عائقا عندما يتعلق الأمر برئاسة الحكومة؟
ثم إن فاطمة الزهراء المنصوري نفسها ليست شخصية سياسية وصلت إلى هذا الموقع من خارج التجربة والمؤسسات. فهي محامية، وبرلمانية، وعمدة سابقة وحالية لمراكش، ووزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تصبح منسقة القيادة الجماعية للحزب. أي أنها راكمت تجربة في مستويات متعددة من العمل السياسي والتدبير العمومي، وبالتالي فإن اختزالها في كونها امرأة هو في حد ذاته اختزال لمسار سياسي ومهني كامل.
والأهم أن تعيينها لم يتم لأنها امرأة، وإنما جاء في إطار المسار الدستوري لتشكيل الحكومة. فقد أعلن بلاغ وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن جلالة الملك محمد السادس استقبلها بالقصر الملكي بالرباط، وعينها، بمقتضى الفصل 47 من الدستور، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بصفتها منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. وبالتالي، فإن جنس رئيسة الحكومة ليس هو الذي يفسر تعيينها، وإنما موقعها السياسي ونتائج الانتخابات والمسار الدستوري الذي يحكم تشكيل الحكومة.
ومن حق المغاربة، بطبيعة الحال، أن يختلفوا مع المنصوري، وأن ينتقدوا برنامجها، وأن يراقبوا أداء حكومتها، وأن يحاسبوها على قراراتها ونتائجها. بل إن هذا هو جوهر الحياة السياسية. لكن ما لا يستقيم هو أن يكون كونها امرأة سببا مسبقا للحكم عليها قبل أن تبدأ عملها. فإذا أخطأت، فلتحاسب على الخطأ، وإذا نجحت، فلتنسب إليها نتائجها، تماما كما يحدث مع أي رئيس حكومة رجل. المعيار في المسؤولية السياسية هو الأداء والقرار والنتيجة، وليس جنس صاحب القرار.
والغريب أن هذا التشكيك يأتي في وقت قطعت فيه المرأة المغربية أشواطا كبيرة في مختلف المجالات. فالمرأة المغربية اليوم طبيبة ومحامية وقاضية ومهندسة وأستاذة وباحثة وسيدة أعمال وبرلمانية ووزيرة وعمدة ودبلوماسية، وتشارك في الاقتصاد والإدارة والقضاء والسياسة، وتتحمل مسؤوليات كبرى داخل الدولة والمجتمع. فهل يعقل، بعد كل هذه التحولات، أن نتوقف عند عتبة رئاسة الحكومة لنسأل إن كانت المرأة تستطيع تحمل المسؤولية؟
إن وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة لا يعني أن المرأة يجب أن تحصل على امتياز لأنها امرأة، كما لا يعني أن الرجل يفقد حقه في المنافسة لأنه رجل. المعنى الحقيقي هو أن المسؤولية السياسية يجب أن تفتح أمام المواطنين والمواطنات على أساس الكفاءة والاستحقاق، وأن تخضع النتائج للمساءلة نفسها. والمرأة المغربية لا تحتاج اليوم إلى شهادة من أحد بأنها قادرة على تحمل المسؤولية؛ لقد راكمت خلال عقود من العمل ما يكفي من الشواهد العملية.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المغاربة اليوم ليس: لماذا امرأة؟ وإنما: ماذا ستفعل رئيسة الحكومة؟ كيف ستشكل حكومتها؟ ما برنامجها؟ وكيف ستدبر الملفات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية التي تنتظر المغرب؟ هنا يبدأ النقاش السياسي الحقيقي، أما جعل جنس رئيسة الحكومة قضية في حد ذاته، فليس سوى محاولة لإعادة عقارب النقاش إلى الوراء. فالمغرب الذي عرف في تاريخه نساء تركن أسماءهن في السياسة والسلطة، والذي شهد في العقود الأخيرة صعود المرأة إلى البرلمان والحكومة ومختلف مواقع المسؤولية، لم يعد بحاجة إلى إثبات أن المرأة المغربية قادرة. لقد أثبتت ذلك بالفعل.




















