بقلم ام هاشم/
في كل المنظمات المهنية ، لا تكون أهمية القرار في صدوره فقط، بل في توقيته.
ولهذا، فإن انضمام هيئة المحامين بالدار البيضاء إلى الهيئات التي قررت الانقطاع عن العمل أمام المحاكم، لا يمكن قراءته كخبر التحاق و تضامن مهني، بل تطور يستحق التوقف عنده.
فالدار البيضاء لم تكن جزءا من هذا المسار. بل اختارت موقعا مختلفا، يقوم على استمرار الحوار مع وزارة العدل، ورفض اعطاء الاولوية لمصالح المتقاضين و رفضت القفز مباشرة إلى خيار التصعيد.
وكانت الهيئة تقول، بشكل أو بآخر، إن باب التفاوض لم يغلق بعد، وإن المشروع قابل للتعديل، وإن النقاش المؤسساتي لا يزال قادرا على إنتاج حلول.
ثم حدث التحول.
والتحولات لا تثير الانتباه لأنها تقع، وإنما لأنها تقع بعد مسار كان يوحي بعكسها.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن عددا من المقترحات التي رفعتها هيئة الدار البيضاء إلى وزير العدل وجدت طريقها إلى الصيغة المعدلة لمشروع القانون. وهذا يعني، من الناحية الموضوعية، أن الحوار لم يكن بلا نتيجة، وأن الوزارة استجابت .
إذا كان الأمر كذلك، فمن الطبيعي أن يطرح السؤال نفسه.
ما الذي جعل الهيئة تنتقل من منطق الحوار إلى منطق الاصطفاف؟
هل ظهرت مستجدات لم يطلع عليها الرأي العام؟
هل تبين أن التعديلات التي أُدرجت لم تكن كافية لمعالجة جوهر الخلاف؟
أم أن ميزان القوى داخل المهنة فرض واقعا جديدا، أصبح معه البقاء خارج الإجماع أكثر كلفة من الالتحاق به؟
او هل هناك صفقة ؟؟
هذه أسئلة لا تحمل حكما، لكنها تحتاج إلى جواب.
لأن النقاش هنا لا يتعلق فقط بعلاقة هيئة بوزارة، وإنما يتعلق بكيفية إدارة أحد أكبر الملفات المهنية المرتبطة بمنظومة العدالة.
وفي مثل هذه الامور، تبدأ الأسئلة التي لا يجيب عنها أحد في إنتاج روايات متعددة.
هناك من يرى أن الأمر مجرد توحيد للموقف المهني بعد نضج المشاورات. وهناك من يقرأ المشهد باعتباره نتيجة لتوازنات داخلية فرضت نفسها في اللحظة الأخيرة. وهناك من يذهب أبعد من ذلك، متسائلا عما إذا كانت وراء هذا التحول تفاهمات أو ترتيبات لم يعلن عنها.
لكن بين السؤال والحقيقة مسافة لا يجوز اختصارها بالتخمين.
فوجود “صفقة” أو اتفاق غير معلن و ان كان مجرد فرضية يتداولها البعض، لا يمكن التعامل معها باعتبارها إشاعة. و الأكيد أنه لا بد من التدقيق .
ليس بسبب طبيعة الصفقة اذا ما تبين ان هناك صفقة او موقع او كرسي في القصة بل لانها ممارسات لا تليق بالتوجهات الاستراتيجية للعدالة المغربية و لا للمملكة.
غير أن ما يبقى حقيقة ثابتة هو أن المتقاضي، الذي وجد نفسه مرة أخرى أمام محاكم مشلولة، من حقه أن يعرف لماذا تغيرت المواقف، ولماذا انتهى مسار بدأ بالحوار إلى موقف موحد من الانقطاع.
فالعدالة ليست شأنا يخص المحامين وحدهم، ولا وزارة العدل وحدها، بل هي شأن المجتمع بأكمله.
ولهذا، فإن أكثر ما تحتاجه هذه المرحلة ليس بيانات إضافية، بل رواية كاملة تشرح للرأي العام كيف بدأت الحكاية، وكيف انتهت إلى هذا المشهد، حتى لا يترك الفراغ مجالا للتأويل، ولا تتحول الأسئلة المشروعة إلى يقينيات لا تستند إلى دليل.





















