نجيبة جلال/
إني، والله، لأبحث عن رجل مثل عبد الوافي لفتيت للمجلس الوطني للصحافة.
ولست أقصد أن تتولى وزارة الداخلية انتخابات الصحافيين، فذلك ليس موضوع النقاش أصلاً. وإنما أقصد شيئاً آخر: أبحث عن ذلك المنطق الذي يعرف أن نزاهة الانتخابات لا تبدأ من الصندوق، وإنما من اللائحة التي تسبق الصندوق.
ولعل تجربة الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة تقدم لنا درساً واضحاً: لا معنى للحديث عن اقتراع نزيه إذا لم تكن الهيئة الناخبة نفسها صحيحة ومحينة وتعكس الواقع يوم الاقتراع.
وهنا أصل إلى المجلس الوطني للصحافة.
نحن مقبلون على انتخابات يفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة، بينما هناك حديث عن اعتماد بطائق الصحافة لسنة 2025 أساساً لتحديد الهيئة الناخبة.
وهذا، في تقديري، خلل يجب تصحيحه قبل أن نخطو خطوة واحدة نحو الصندوق.
منذ 2025 تغيرت الخريطة المهنية.
هناك من غادر المهنة، وهناك من تغيرت وضعيته، وهناك، رحمهم الله، من وافتهم المنية.
وفي المقابل، هناك صحافيون التحقوا بالمهنة واستوفوا شروطها، ويمارسونها اليوم، وسيخضعون غداً لقرارات المجلس الذي سينتخب، وبالتالي فمن حقهم أن يشاركوا في اختيار من سيمثلهم داخله.
ثم إن بطائق 2025 نفسها لم تمر من دون جدل.
كانت هناك اعتراضات وحالات أثارت نقاشاً داخل الجسم المهني حول شروط منح البطاقة أو عدم تجديدها لبعض الزملاء.
ولا أريد أن أحول الشكوك إلى اتهامات، ولا أن أحاكم النيات، لكنني أتمسك بقاعدة بسيطة:
حين تصبح البطاقة المهنية هي بوابة صندوق الاقتراع، فإن طريقة منحها تصبح جزءاً من نزاهة الانتخابات نفسها.
فالصحافي الذي يُحرم من البطاقة، إذا كانت البطاقة شرطاً للتصويت، لا يُحرم من وثيقة مهنية فقط، وإنما قد يُحرم معها من صوته الانتخابي.
وهنا لا يعود الأمر إدارياً.
يصبح ديمقراطياً.
ولهذا أعتقد أن الحل ليس ترقيع لوائح 2025، ولا إضافة بعض الأسماء وحذف أخرى.
الحل أبسط وأكثر عدلاً:
يجب تعليق أي مسار انتخابي إلى حين إصدار بطائق الصحافة المهنية لسنة 2026.
وأول مهمة ينبغي أن تضطلع بها اللجنة المشرفة على الانتخابات، قبل تحديد موعد الاقتراع وقبل فتح باب الترشيحات وقبل الحديث عن التحالفات، هي أن تكلف الطاقم الإداري المختص بالشروع في معالجة ملفات بطائق 2026 وفق شروط قانونية ومهنية واضحة وموحدة.
تُفتح الملفات.
تُراجع الوضعيات.
يُمنح كل صحافي مستوفٍ للشروط بطاقته.
تُعالج حالات الزملاء الذين كانت لهم اعتراضات على قرارات 2025 وفق المساطر القانونية.
يُدمج الصحافيون الجدد الذين أصبحوا مستوفين للشروط.
وتُحذف من الهيئة الناخبة الحالات التي لم تعد تتوفر فيها شروط المشاركة.
وعندما تنتهي هذه العملية، نكون أمام شيء مختلف تماماً:
هيئة ناخبة لسنة 2026، تنتخب مجلساً لسنة 2026.
أما أن ننظم انتخابات جديدة بهيئة ناخبة قديمة، ثم نطلب من الجميع أن يثق في النتائج، فذلك يعني أننا بدأنا من المكان الخطأ.
والأكثر أهمية أن اللجنة الجديدة أمامها فرصة تاريخية لكي تقطع مع كل الشكوك التي راكمتها المرحلة السابقة.
لقد سمعنا كثيراً داخل المهنة حديثاً عن التحكم في حجم الكتلة الناخبة، وعن أن توسيعها أو تضييقها يمكن أن يغير موازين القوى داخل المجلس.
وقد يكون بعض ذلك مجرد قراءة أو شكوك لا دليل عليها.
لكن المؤسسات القوية لا تدخل في جدال مع الشكوك.
إنها تزيل أسبابها.
وأفضل طريقة لإنهاء كل حديث عن التحكم في الهيئة الناخبة هي أن يُفتح باب بطاقة 2026 للجميع وفق الشروط نفسها، وأن تكون القرارات معللة وقابلة للطعن، ثم تُبنى اللوائح الانتخابية على النتيجة.
عندها لن يكون مهماً من سيصوت لمن.
ولن يكون مهماً من سيفوز ومن سيخسر.
لأن الجميع سيكون قد اطمأن إلى القاعدة قبل أن يعرف النتيجة.
وهذا هو المعنى الذي أقصده حين أقول إنني أبحث عن «لفتيت» للمجلس الوطني للصحافة.
لا أبحث عن رجل يعرف كيف يصنع الأغلبية.
بل عن مؤسسة تعرف كيف تمنع أي أحد من صناعة الهيئة الناخبة على مقاس أغلبية يريدها.
فالحياد ليس أن تقول للناس يوم الاقتراع: صوتوا لمن تشاؤون.
الحياد الحقيقي أن تقول قبل الاقتراع:
كل من يملك الحق في التصويت سيكون هنا، بصرف النظر عمن سيصوت له.
ولهذا فإن أول قرار شجاع للجنة المقبلة يجب أن يكون واضحاً:
لا انتخابات قبل بطاقة 2026.
وأول ورش تفتحه ليس ورش الترشيحات، وإنما ورش البطائق.
وأول لائحة تراجعها ليست لائحة المرشحين، وإنما لائحة الناخبين.
لأن المجلس المقبل يحتاج إلى شرعية لا يستطيع أحد أن يشكك فيها.
وإذا كنا نريد بالفعل أن نطوي صفحة الخلافات التي أنهكت الصحافة، فلا ينبغي أن نبدأ المرحلة الجديدة بأحد أسباب الخلاف القديم.
أصدروا بطائق 2026 أولاً.
ابنوا عليها هيئة ناخبة حقيقية ومحينة.
ثم افتحوا صناديق الاقتراع.
فالانتخابات النزيهة لا تبدأ حين يدخل أول ناخب إلى مكتب التصويت.
إنها تبدأ قبل ذلك بكثير…




















