أم هاشم/
إن أخطر اللحظات في تاريخ المؤسسات ليست تلك التي تتأخر فيها الولادة، بل تلك التي يصبح فيها الاستعجال بديلاً عن الحكمة. فالسرعة قد تصنع حدثاً، لكنها لا تصنع شرعية، وقد تفرض أمراً واقعاً، لكنها لا تبني مؤسسة قادرة على الصمود….السرعة تقتل يا عمي!
لقد عاش الجسم الصحافي سنوات من الانتظار، والفراغ، والتمديد، والجدل القانوني، حتى أصبح الجميع مقتنعاً بأن المجلس الوطني للصحافة يجب أن يعود إلى الوجود. لكن بين الرغبة في إنهاء المرحلة الانتقالية، والرغبة في بناء مؤسسة تحظى بالثقة، مسافة ينبغي ألا تختزلها عبارة واحدة: “لنسرع”.
لقد صمنا طويلاً… فهل نفطر على بصل؟
اللافت في الخطاب الدائر اليوم أنه لا يكتفي بالدعوة إلى التسريع في تنزيل القانون، بل يحاول، في الوقت نفسه، رسم ملامح المرحلة المقبلة، وتحديد مواصفات الرئيس، وترتيب أولويات المجلس، وفتح ملفات الدعم، وتوجيه البوصلة نحو معارك بعينها. وكأن المطلوب ليس فقط انتخاب مجلس جديد، بل الوصول إلى مجلس يحمل رؤية فريق معين قبل أن يبدأ عمله. مجلس هدفه تزكية فريق و إقصاء آخر. و هذا في حد ذاته عيب جوهري.
لا أحد يختلف حول فكرة أساسية ظللنا نرددها منذ البداية: المجلس يحتاج إلى رئيس محايد، يقف على المسافة نفسها من جميع الصحافيين والناشرين، ويحاور الجميع دون أن يكون امتداداً لأحد.هذه ليست منحة من أحد، بل شرط من شروط نجاح المؤسسة.
لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالرئيس وحده.
من سيحيّد الهيئات نفسها؟
هل تستطيع الهيئات الممثلة للناشرين، على اختلافها، أن تمارس على نفسها ما تطالب به غيرها؟ وهل ستنجح في تنقية صفوفها من كل من لا يمارس الصحافة، ولا يحمل صفة الصحافي المهني، ومع ذلك يستفيد من امتيازات أو أجور يفترض أنها مخصصة للصحافيين؟
وهل ستملك جميع التنظيمات المهنية، دون استثناء، شجاعة التحرر من عقدة “الأنا”؟ من الاعتقاد بأن المجلس ينبغي أن يولد على صورتها، وأن الرئيس يجب أن يكون من دائرتها، وأن الإصلاح لا يكون إلا إذا انتهى إلى النتائج التي تريدها؟
إن الشفافية لا تتجزأ. فمن يطالب بكشف لوائح الدعم العمومي، مطالب أيضاً بكشف معايير تمثيله، وطريقة اختيار ممثليه، ومدى احترامه لقواعد الحكامة داخل مؤسسته. ومن يرفع شعار تخليق الحياة المهنية، عليه أن يبدأ أولاً بتخليق بيته الداخلي.
المجلس الوطني للصحافة ليس جائزة تُمنح، ولا غنيمة تُقتسم، ولا امتداداً لجمعية أو نقابة أو فدرالية. إنه مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فوق الأشخاص، وفوق الحسابات، وفوق الرغبات الفردية.
لقد دفع القطاع ثمناً باهظاً بسبب الصراعات، والاصطفافات، وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة. وليس من الحكمة أن نكرر الأخطاء نفسها تحت عنوان جديد هو “الاستعجال”.
إن بناء المؤسسات لا يقاس بسرعة الوصول إليها، بل بقدرتها على البقاء. وقد علمنا التاريخ أن المؤسسات التي تولد تحت ضغط التوازنات، غالباً ما تقضي سنوات تبحث عن شرعية كان يمكن أن تحصل عليها منذ يومها الأول لو مُنحت الوقت الكافي.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى مجلس يولد بسرعة، بل إلى مجلس يولد قوياً، مستقلاً، ومتوازناً.
فالسرعة في سباقات السيارات قد تصنع بطلاً… أما في بناء المؤسسات، فإنها قد تصنع أزمة جديدة.




















