لم يكن مساء الاثنين الماضي عاديا بمقاطعة الحي الحسني بالبيضاء. ففي عمارة سكنية فاخرة، وخلف جدران شقة بالطابق الرابع، انتهت زيارة عائلية يفترض أنها وجدت لتقريب القلوب بجريمة هزت ساكنة الحي، بطلها أب يحمل صفة طبيب، وضحيتها طفلة لم تتجاوز عامها الخامس.
تعود خيوط المأساة، وفق ما أكدته مصادر مطلعة، إلى حكم قضائي منح الأب حق رؤية ابنته واصطحابها لساعات أو ليوم كامل في يوم محدد من الأسبوع، بهدف تعزيز الروابط الأسرية بعد انفصاله عن والدتها، وهي بدورها طبيبة وزميلته في المهنة. وفي ذلك اليوم، كانت الطفلة برفقة والدها في شقته. غير أن موعد التسليم تأخر بعد انتهاء فترة الزيارة المخولة له قضائيا، فاحتجت الأم على الهاتف، لينقلب الاتصال إلى شجار عنيف بين الطرفين، تقول المعطيات الأولية للبحث إنه كان الشرارة التي أشعلت الفاجعة.
المشتبه فيه، بحسب المصادر ذاتها، لم يتقبل احتجاج طليقته على التأخر في تسليم الابنة، فازداد غضبه، وقد كانت بينه وبين الأم خلافات حادة سابقة. وبدل أن يسلم الصغيرة لأمها كما تقتضي الأمور، قرر، وهو في حالة وُصفت بغير الطبيعية، أن يرمي فلذة كبده من الطابق الرابع، دون شفقة أو رحمة، لينهي بذلك ما اعتبره إزعاجا من طليقته.
أما الأشد قسوة في هذه الواقعة، فهو ما تلاها. إذ أفادت مصادر متطابقة أن الأب وثق عملية الرمي بالصوت والصورة، وأرسل الشريط إلى طليقته مرفقا بعبارة بالدارجة: “واش بغيتي غير بنتك، ها هي لحتها ليك، يا لله خوديها”. وحين شاهدت الأم المقطع، أصيبت بصدمة وهستيريا، وارتبكت خطواتها إلى درجة لم تعد معها قادرة على سياقة سيارتها، فقررت أن تقطع المسافة جريا، في سباق مع الزمن والقدر، إلى أن وصلت إلى مسرح الجريمة، حيث كان المشهد أقسى من أن يحتمل، وأبكى كل من عاينه من المارة والمتجمهرين.
لكن الطفلة كانت قد فارقت الحياة. فقد لفظت أنفاسها الأخيرة بمسرح الجريمة مباشرة بعد سقوطها، بفعل قوة الارتطام بالأرض، وقد أصيب جسدها الغض بكسور ورضوض في أنحاء مختلفة منه.
وفور الإخبار بالواقعة، استنفرت مصالح أمن الحي الحسني، وحلت مختلف عناصرها بعين المكان لمباشرة الأبحاث، فيما نقل عناصر الوقاية المدنية جثة الضحية إلى مستودع الأموات لإخضاعها للتشريح الطبي، الذي أمر به الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف. وفي الأثناء، ظل الأب قابعا داخل شقته، قبل أن تتمكن الشرطة من إخراجه منها وإلقاء القبض عليه، بعدما استوعب، بحسب المصادر، خطورة ما أقدم عليه، ليقتاد إلى مقر الأمن للتحقيق معه في الأفعال الإجرامية الخطيرة المنسوبة إليه.
وباشرت عناصر الشرطة القضائية بالمنطقة الأمنية نفسها بحثا قضائيا تحت إشراف النيابة العامة، يسعى إلى كشف كل ملابسات القضية وتحديد ظروف الاعتداء الدموي، كما يروم التأكد مما إن كان المشتبه فيه متورطا في جرائم أخرى قبل الفاجعة. وتقرر وضع الأب تحت تدابير الحراسة النظرية رهن إشارة البحث، في انتظار إحالته على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف، بالنظر إلى خطورة الفعل الذي يكتسي طابعا جنائيا، فيما يبقى المشتبه فيه بريئا إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي.



















