.
بقلم نعيمة بلواس باحثة في القانون
أفرز التطور المتسارع للتكنولوجيات الرقمية تحولاً عميقاً في طبيعة الحق في الصورة وفي طرق ممارسته وحمايته. فبعد أن كان الاعتداء على صورة الشخص يرتبط أساساً بأفعال مادية محددة، كالتقاط الصورة أو نشرها في وسيلة إعلامية أو استعمالها لأغراض تجارية، أصبحت الصورة في البيئة الرقمية قابلة للالتقاط والتخزين والنسخ والتداول وإعادة النشر والتعديل في نطاق يتجاوز الحدود الزمانية والمكانية التقليدية.
وتتضاعف خصوصية هذه الإشكالية عندما يتعلق الأمر بصورة القاصر، بالنظر إلى عدم اكتمال نضجه وقدرته المحدودة، بحسب سنه ودرجة إدراكه، على تقدير الآثار المترتبة عن نشر صورته أو استغلالها. كما أن الطبيعة المستديمة للمحتوى الرقمي تجعل القرار المتعلق بنشر صورة القاصر قابلاً لإنتاج آثار مستقبلية قد لا يكون بإمكانه توقعها أو التحكم فيها.
وقد ساهم انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، ولا سيما Facebook وInstagram وYouTube وTikTok، في جعل صورة القاصر موضوعاً لممارسات رقمية متعددة، تتراوح بين المشاركة العائلية البسيطة والاستغلال التجاري المنتظم للصورة والشخصية. كما أدى ظهور المؤثرين القاصرين والمحتوى العائلي الرقمي إلى إعادة طرح مسألة حدود سلطة الولي في الترخيص باستعمال صورة القاصر، ومدى كفاية الموافقة كآلية لحماية هذا الحق.
ولا تقف الإشكالية عند حدود النشر التقليدي للصورة، بل امتدت إلى استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تعديل الصور وإعادة تركيبها وإنشاء محتويات جديدة تستند إلى الصورة الأصلية للشخص. وهو ما يفرض التساؤل حول مدى كفاية التصور التقليدي للحق في الصورة لمواجهة هذه الأشكال المستحدثة من الاستعمال.
ومن ثم، لم تعد حماية صورة القاصر تقتصر على تحديد ما إذا كان استعمال الصورة مشروعاً أو غير مشروع، وإنما أصبحت تقتضي تحديد درجة الحماية الملائمة لكل حالة، بالنظر إلى خصائص القاصر وطبيعة الصورة وسياق استعمالها والوسيلة الرقمية المستعملة والغرض من الاستغلال.
وانطلاقاً من ذلك، تطرح الدراسة الإشكالية الآتية:
إلى أي حد تسمح القواعد القانونية التقليدية المنظمة للحق في الصورة بتوفير حماية متناسبة مع خصوصية القاصر في البيئة الرقمية، وهل يقتضي ذلك تبني تصور شخصي ومتدرج وسياقي لهذا الحق؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع من خلال محورين أساسيين: أولهما يتعلق بتخصيص الحماية القانونية لصورة القاصر على أساس سنه ودرجة نضجه ومصلحته الفضلى، وثانيهما يرتبط بتخصيص الحماية وفقاً لسياق الاستعمال الرقمي وطبيعته وآثاره.
المبحث الأول: تخصيص الحماية القانونية لصورة القاصر على أساس خصوصية شخصيته
لا يمكن تصور الحماية القانونية لصورة القاصر باعتبارها مجرد امتداد آلي للحماية المقررة للشخص الراشد، إذ إن خصوصية الوضع القانوني للقاصر تفرض مراعاة سنه ودرجة نضجه ومصلحته الفضلى عند تنظيم ممارسة الحق في الصورة.
المطلب الأول: خصوصية موافقة القاصر والولي على استعمال الصورة
تكتسي مسألة الموافقة أهمية مركزية في مجال الحق في الصورة، باعتبارها إحدى الوسائل الأساسية التي تسمح بتحديد مشروعية استعمال الصورة.
غير أن خصوصية القاصر تثير إشكالاً يتعلق بتحديد صاحب القرار في الموافقة على استعمال صورته. فإذا كان القاصر، بحسب حالته القانونية، لا يملك دائماً الأهلية اللازمة لمباشرة جميع التصرفات المتعلقة بحقوقه، فإن ذلك لا يعني أن إرادته تصبح عديمة الأثر في كل ما يتعلق بصورته وشخصيته.
فالصورة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالشخصية، ولذلك فإن تدخل الولي أو الممثل القانوني لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقالاً مطلقاً للحق في الصورة إليه، وإنما باعتباره آلية قانونية لممارسة حق القاصر وحمايته بالنظر إلى عدم اكتمال أهليته.
وتطرح هذه المسألة أهمية خاصة في البيئة الرقمية، حيث قد تتجاوز آثار الموافقة الغرض الذي صدرت من أجله. فالموافقة على التقاط صورة القاصر لا تعني بالضرورة الموافقة على نشرها على شبكة اجتماعية، كما أن الموافقة على نشرها في حساب شخصي محدود لا تعني بالضرورة الموافقة على استخدامها في إعلان تجاري أو في محتوى يحقق أرباحاً.
وبذلك، تقتضي الحماية الفعالة الانتقال من مفهوم الموافقة العامة إلى مفهوم الموافقة المحددة من حيث الغرض والنطاق والوسيلة والمدة.
المطلب الثاني: نحو إشراك القاصر في القرار المتعلق بصورته
إذا كان سن القاصر ودرجة نضجه يؤثران في قدرته على اتخاذ القرارات القانونية، فإن ذلك لا يبرر استبعاده بصورة مطلقة من القرارات التي تمس شخصيته.
فكلما تقدم القاصر في السن وازدادت قدرته على الفهم والإدراك، أصبح من الضروري إيلاء إرادته أهمية أكبر عند اتخاذ القرار المتعلق باستعمال صورته.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنسبة للمراهقين الذين أصبحوا أنفسهم مستخدمين نشطين للمنصات الرقمية، وينتجون المحتوى ويشاركون صورهم بصورة مباشرة.
ومن ثم، فإن التخصيص الحقيقي للحق في الصورة يقتضي عدم التعامل مع جميع القاصرين وفق معيار موحد، وإنما اعتماد حماية متدرجة تراعي السن ودرجة النضج والقدرة على فهم طبيعة الاستعمال وآثاره.
وتسمح هذه المقاربة بإعادة صياغة العلاقة بين سلطة الولي وحق القاصر في تقرير ما يتعلق بصورته، بحيث تصبح سلطة الولي موجهة أساساً نحو حماية مصلحة القاصر، وليس نحو ممارسة سلطة مستقلة عن هذه المصلحة.
المبحث الثاني: تخصيص حماية صورة القاصر وفقاً للسياق الرقمي للاستعمال
لا تتحدد خطورة المساس بصورة القاصر بمجرد فعل النشر، وإنما ترتبط كذلك بالسياق الذي يتم فيه هذا النشر، وبطبيعة المنصة والجمهور المستهدف والغرض من الاستعمال.
المطلب الأول: نشر صورة القاصر على شبكات التواصل الاجتماعي
أدى انتشار شبكات التواصل الاجتماعي إلى جعل نشر صور القاصرين ممارسة يومية، سواء من طرف أسرهم أو المؤسسات أو المستخدمين الآخرين.
غير أن طبيعة البيئة الرقمية تجعل التحكم في تداول الصورة أكثر صعوبة. فالصورة المنشورة يمكن أن يعاد نشرها أو حفظها أو مشاركتها أو نقلها إلى منصات أخرى، بما يجعل آثار النشر تتجاوز في كثير من الأحيان إرادة الشخص الذي قام بالنشر.
وتتطلب هذه الوضعية إعادة النظر في معيار الموافقة، بحيث لا يكون وجودها وحده كافياً لتقييم مشروعية الاستعمال، وإنما ينبغي النظر أيضاً إلى السياق الذي صدرت فيه الموافقة والسياق الذي تم فيه استعمال الصورة لاحقاً.
فالصورة العائلية التي يتم نشرها في نطاق محدود تختلف من حيث آثارها عن صورة القاصر التي يتم نشرها على حساب مفتوح للجمهور، كما تختلف عن صورة يتم استعمالها في حملة إعلانية أو محتوى تجاري.
وبالتالي، فإن السياق يصبح عنصراً أساسياً في تحديد نطاق الحماية.
المطلب الثاني: الاستغلال التجاري لصورة القاصر عبر المنصات الرقمية
يطرح الاستعمال التجاري لصورة القاصر إشكالاً أكثر تعقيداً، خاصة مع ظهور المحتوى المؤثر والمحتوى العائلي الذي يحقق عائدات مالية.
ففي هذه الحالة، لا تعود الصورة مجرد عنصر من عناصر الحياة الخاصة، وإنما تصبح جزءاً من نشاط اقتصادي يمكن أن تكون له قيمة مالية.
ويثير ذلك التساؤل حول مدى كفاية موافقة الولي للسماح باستغلال صورة القاصر بصورة متكررة لتحقيق عائد اقتصادي، ولا سيما عندما يكون القاصر هو العنصر الرئيسي في المحتوى.
ويقتضي هذا الوضع التمييز بين الاستعمال الشخصي للصورة والاستغلال التجاري لها، لأن درجة الحماية المطلوبة ومقتضيات الموافقة قد تختلف بحسب الغرض من الاستعمال.
كما ينبغي مراعاة احتمال وجود تعارض بين المصلحة الاقتصادية للأسرة وبين مصلحة القاصر في حماية خصوصيته وشخصيته، وهو ما يجعل معيار المصلحة الفضلى للقاصر عنصراً أساسياً في تقييم مشروعية الاستغلال.
المبحث الثالث: استمرارية حماية صورة القاصر في البيئة الرقمية
تتميز الصورة الرقمية بخاصية الاستمرارية، إذ يمكن أن تظل متاحة حتى بعد مرور سنوات على نشرها، وهو ما يفرض التساؤل حول إمكانية إعادة النظر في الموافقة التي صدرت أثناء مرحلة القصور.
المطلب الأول: تغير إرادة القاصر بعد بلوغ سن الرشد
قد يوافق القاصر أو ممثله القانوني على نشر صورة في مرحلة معينة، إلا أن الظروف قد تتغير بعد ذلك.
فقد يرى الشخص بعد بلوغه سن الرشد أن استمرار نشر صورة التقطت خلال طفولته لم يعد يتوافق مع إرادته أو مع تصوره لخصوصيته.
ومن هنا تبرز أهمية تمكين الشخص، في الحدود التي يسمح بها القانون، من إعادة تقييم بعض أشكال استعمال صورته التي تمت خلال مرحلة القصور.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى صعوبة إزالة المحتوى الرقمي بصورة نهائية، حيث يمكن أن تظل النسخ المتداولة خارج نطاق سيطرة صاحب الصورة.
المطلب الثاني: نحو تكريس حماية مستمرة وليست لحظية
تقتضي الطبيعة الرقمية للصورة الانتقال من تصور يعتبر الحماية مرتبطة بلحظة التقاط الصورة أو نشرها، إلى تصور يجعلها حماية مستمرة ترافق الصورة خلال مختلف مراحل تداولها واستعمالها.
ويعني ذلك أن مشروعية الاستعمال لا ينبغي أن تقاس فقط عند لحظة الحصول على الموافقة، وإنما ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار أيضاً التحولات اللاحقة التي قد تطرأ على السياق أو الغرض من الاستعمال.
وهنا تتجسد إحدى أهم خصائص التخصيص السياقي للحق في الصورة، إذ إن مشروعية الاستعمال قد تكون مرتبطة بظروف معينة، وقد تتغير هذه المشروعية إذا تغيرت الظروف أو تحول الغرض من الاستعمال.
المبحث الرابع: صورة القاصر أمام تقنيات الذكاء الاصطناعي
أضاف الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى إشكالية حماية صورة القاصر، إذ لم يعد الاعتداء يقتصر على نسخ الصورة أو نشرها، وإنما أصبح من الممكن تقنياً تعديلها أو إعادة تركيبها أو إنشاء محتوى جديد يستند إلى ملامح الشخص.
وتفرض هذه التطورات توسيع نطاق التفكير في الحق في الصورة، بحيث لا يقتصر على الصورة الأصلية، وإنما يمتد إلى الاستخدامات الرقمية التي تسمح بإعادة إنتاج الهوية البصرية للقاصر.
وتزداد حساسية هذه المسألة بالنظر إلى أن القاصر قد لا يكون قادراً على تقدير الآثار المحتملة لمثل هذه الاستخدامات، كما أن انتشار المحتوى الناتج عن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يجعل تحديد مصدره والسيطرة على تداوله أمراً معقداً.
ومن ثم، فإن التطور التكنولوجي يفرض على الحماية القانونية أن تتجاوز منطق حماية الصورة المادية إلى منطق حماية الهوية البصرية والرقمية للقاصر.
خاتمة
تكشف دراسة الحق في صورة القاصر في البيئة الرقمية عن محدودية المقاربة التي تقوم على وجود موافقة مجردة باعتبارها المعيار الوحيد لتحديد مشروعية الاستعمال.
فخصوصية القاصر، وتفاوت درجات نضجه، وطبيعة المنصات الرقمية، واتساع الجمهور، وتعدد أغراض الاستعمال، وإمكانية إعادة تداول الصورة، واستمرارها في البيئة الرقمية، كلها عناصر تفرض بناء حماية أكثر تخصيصاً.
ومن هنا، يبدو أن مستقبل الحماية القانونية لصورة القاصر يتجه نحو تبني مقاربة تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: تخصيص شخصي يراعي سن القاصر ودرجة نضجه، وتخصيص سياقي يأخذ بعين الاعتبار ظروف استعمال الصورة، وتخصيص زمني يسمح بإعادة تقييم مشروعية الاستعمال مع تغير الظروف.
كما أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يفرض توسيع نطاق الحماية من الصورة في مفهومها التقليدي إلى الهوية البصرية والرقمية للقاصر.
وبذلك، لا تصبح حماية صورة القاصر مجرد حماية من فعل النشر غير المرخص، وإنما تتحول إلى منظومة متكاملة لحماية شخصيته وخصوصيته ومصلحته في بيئة رقمية تتميز بسرعة التداول وصعوبة التحكم في المحتوى.
إن تخصيص الحق في الصورة بالنسبة للقاصر يمثل، في هذا السياق، استجابة ضرورية لتحولات البيئة الرقمية، لأنه يسمح بالانتقال من حماية قانونية جامدة إلى حماية مرنة ومتدرجة وسياقية، تجعل من مصلحة القاصر وخصوصية شخصيته محوراً أساسياً في تقييم مختلف أشكال استعمال صورته.




















