بقلم الأستاذ عادل مزوز أستاذ مادة الفلسفة بالثانوية التأهيلية جابر بن حيان/
من ذاكرة التكوين التقني إلى رهانات الإبداع والتنمية.. مسار مؤسسة تعليمية تختزل جانبًا من تاريخ المدرسة المغربية وتطلعاتها إلى إعداد أجيال قادرة على الجمع بين المعرفة والمهارة والابتكار.
ليست المؤسسات التعليمية مجرد بنايات تحتضن الفصول الدراسية، ولا مجرد فضاءات تعبرها الأجيال للحصول على الشهادات، بل هي ذاكرة حية تختزن تجارب المتعلمين والأساتذة، وتحفظ أثر التحولات التي عرفها المجتمع، وتعكس، في كثير من الأحيان، طبيعة الرهانات التي راهنت عليها المدرسة في مراحل تاريخية مختلفة. ومن هذا المنطلق، تبرز الثانوية التأهيلية جابر بن حيان بالدار البيضاء باعتبارها مؤسسة تستحق استعادة تاريخها والتوقف عند خصوصية تجربتها التعليمية، بالنظر إلى ارتباطها بالتكوين التقني والفني، وما يطرحه ذلك من أسئلة حول دور المدرسة في إعداد الكفاءات والاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ففي مدينة الدار البيضاء، التي ارتبط تاريخها الحديث بالنشاط الصناعي والتجاري وبالتحولات العمرانية والاقتصادية، اكتسب التعليم التقني أهمية خاصة، باعتباره أحد المسارات التي تصل المعرفة النظرية بالممارسة العملية، وتمنح الشباب فرصة اكتساب مهارات تساعدهم على فهم محيطهم والانخراط في مجالات الإنتاج والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، تندرج التجربة التاريخية المرتبطة بجابر بن حيان، بما تحمله من دلالات تربوية تتجاوز حدود التحصيل المدرسي إلى رهانات التكوين المتخصص واكتشاف القدرات الفردية وتنمية الاستعدادات المهنية والإبداعية.
وتستمد المؤسسة جانبًا من خصوصيتها من طبيعة التخصصات التي ارتبطت بها، ولا سيما مجالات الكهرباء والميكانيك والفنون التطبيقية. وهي مجالات تبدو متباعدة من حيث موضوعاتها، لكنها تلتقي في جوهرها عند فكرة مركزية تتمثل في تحويل المعرفة إلى قدرة عملية، والفكرة إلى إنجاز، والمهارة إلى قيمة مضافة. فالكهرباء والميكانيك تفتحان أمام المتعلم آفاق فهم الأنظمة التقنية والآلات وطرائق اشتغالها، بينما تمنحه الفنون التطبيقية إمكانات تطوير الحس الجمالي والتصور البصري والقدرة على التصميم والابتكار. وهكذا، يصبح التكوين مجالًا للتكامل بين التفكير العلمي والممارسة التقنية والخيال الإبداعي.
ولا يمكن فهم أهمية هذا النوع من المؤسسات بمعزل عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي وحاجته إلى تنويع المسارات التعليمية، بما يسمح للشباب باختيار مجالات تتناسب مع ميولاتهم وقدراتهم وطموحاتهم. فالتعليم التقني والفني ليس مجرد بديل عن المسارات الدراسية الأخرى، بل هو مجال معرفي وتربوي قائم بذاته، يساهم في تكوين شخصيات قادرة على التحليل والتجريب والإنجاز، ويتيح فرصًا متعددة لمتابعة الدراسة أو الاندماج في الحياة المهنية.
ومن هنا، فإن استحضار الثانوية التأهيلية جابر بن حيان يقتضي النظر إليها من زاويتين متكاملتين: زاوية التاريخ الذي يستحق التوثيق، بما يتضمنه من مراحل تأسيس وتطور وتحولات في التخصصات والأطر والبرامج؛ وزاوية الوظيفة التربوية التي تضطلع بها المؤسسة، باعتبارها فضاءً لتكوين الإنسان، ورعاية المواهب، وتعزيز الصلة بين المدرسة ومحيطها الاقتصادي والثقافي.
كما أن الحديث عن المؤسسة يستدعي استحضار الأشخاص الذين مروا من فصولها، وأسهموا، كل من موقعه، في إثراء مسارات العلم والفن والتقنية. فخريجو المؤسسات التعليمية ليسوا مجرد أسماء في سجلات إدارية، بل هم جزء من ذاكرتها الممتدة، بما راكموه من تجارب وما حققوه من إنجازات وما يمثلونه من نماذج لتعدد الآفاق التي يمكن أن يفتحها التكوين المتخصص أمام الشباب. ومن ثم، فإن جمع شهادات قدماء التلاميذ والأساتذة والأطر الإدارية، وتوثيق مسارات الشخصيات المرتبطة بالمؤسسة، يشكل مدخلًا أساسيًا لكتابة تاريخها بصورة أكثر اكتمالًا وموضوعية.
غير أن استعادة الماضي لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد حنين إلى زمن سابق، بل يتعين أن تكون مناسبة للتفكير في الحاضر واستشراف المستقبل. فالمؤسسات التي راكمت تجربة في التكوين التقني والفني تظل في حاجة إلى التجديد المستمر، وتطوير التجهيزات والفضاءات التطبيقية، وتعزيز التأطير التربوي، والانفتاح على التحولات التي تعرفها مجالات الصناعة والتكنولوجيا والتصميم. ذلك أن قيمة المدرسة لا تقاس فقط بما راكمته من تاريخ، وإنما أيضًا بقدرتها على تحويل هذا التاريخ إلى طاقة متجددة تخدم المتعلمين وتستجيب لتطلعاتهم.
إن حكاية الثانوية التأهيلية جابر بن حيان، بهذا المعنى، تتجاوز حدود مؤسسة بعينها لتلامس سؤالًا أوسع يتعلق بمكانة التعليم التقني والفني في المشروع التربوي المغربي، وبكيفية بناء مدرسة تمنح المعرفة معناها العملي، وتحول المهارة إلى فرصة، والإبداع إلى مسار قابل للتطور. وهي مناسبة كذلك للتأكيد على أن الاستثمار في الإنسان يبدأ من الاعتراف بتنوع قدراته، وتوفير شروط نموها، وإتاحة مسارات تعليمية تحترم اختلاف الميولات والاستعدادات.
من هنا، تأتي هذه القراءة الصحفية محاولة لاستعادة بعض ملامح الذاكرة التربوية للمؤسسة، والتوقف عند خصوصية تخصصاتها، واستحضار ما تمثله من صلة بين التعليم والإنتاج والإبداع، مع فتح المجال أمام مزيد من البحث والتوثيق والشهادات التي من شأنها أن تغني صورتها التاريخية وتمنح الأجيال الجديدة فرصة التعرف إلى جانب من ذاكرة المدرسة بالدار البيضاء.





















