إسبانيا بين اختراق أمنها القومي واستهداف المغرب إعلامياً.. حين تصبح المعركة مع الجار أسهل من مواجهة الاختلالات الداخلية

 

في الوقت الذي تكشف فيه إسبانيا عن واحدة من أكثر قضايا تسريب البيانات حساسية، بعدما طالت معلومات شخصية لعناصر في الحرس المدني والشرطة الوطنية والقوات المسلحة، يبرز سؤال يتجاوز حدود الاختراق الإلكتروني نفسه: كيف تنظر مدريد إلى أمنها القومي، وإلى أي حد تنشغل بعض وسائل إعلامها بصناعة روايات عن المغرب أكثر مما تنشغل بكشف مكامن الخلل داخل المنظومة الأمنية الإسبانية؟

المفارقة لافتة. فملف من مئات الصفحات يتضمن معطيات شخصية عن نحو ألف موظف أمني وعسكري، بحسب المعطيات المتداولة حول التحقيق، يطرح أسئلة جدية بشأن حماية قواعد البيانات والهواتف والأنظمة الرقمية، خصوصاً أن السلطات الإسبانية نفسها تحقق في احتمال الوصول غير المشروع إلى مصادر حساسة للمعلومات. وفي المقابل، يستمر جزء من الخطاب الإعلامي الإسباني في التعامل مع المغرب باعتباره مدخلاً جاهزاً لتفسير عدد من الأزمات الأمنية والسياسية التي تواجهها البلاد.

الأمر لا يتعلق هنا بالدفاع عن المغرب ضد كل انتقاد، ولا بالقول إن الإعلام الإسباني يتحرك في اتجاه واحد؛ فالمشهد الإعلامي الإسباني متنوع، وتوجد داخله أصوات نقدية تجاه الحكومة والأجهزة الأمنية والسياسات الخارجية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول بعض التقارير إلى روايات قطعية، تُبنى على فرضيات أو مصادر غير محسومة، ثم تقدم للجمهور باعتبارها حقائق مكتملة.

وقد برز ذلك مجدداً مع أزمة سبتة الأخيرة، التي تحولت خلال أيام إلى مادة سياسية وإعلامية ضخمة. وبينما أشارت تقارير دولية إلى أن المعلومات المضللة على شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً في دفع آلاف الأشخاص إلى محاولة العبور، وأن السلطات الإسبانية واجهت أيضاً أسئلة حول جاهزيتها وإدارتها للأزمة، اتجه جزء من النقاش السياسي والإعلامي إلى تحميل المغرب مسؤولية مباشرة أو ضمنية عن التطورات.

هذه الطريقة في بناء السردية تستحق التوقف عندها. فحين تقع أزمة على الحدود، يصبح من السهل سياسياً البحث عن طرف خارجي وتحويله إلى عنوان للقضية. لكن الأمن القومي لا يُقاس فقط بقدرة الدولة على مراقبة حدودها، بل أيضاً بقدرتها على حماية بيانات موظفيها، وتأمين بنيتها الرقمية، ومنع تسريب المعلومات الحساسة، والاستجابة السريعة للتهديدات الإلكترونية.

وهنا تبدو المفارقة أكثر وضوحاً: إسبانيا تواجه، وفق المعطيات المتداولة، تسريباً واسعاً لبيانات أمنيين وعسكريين، بينما لا يزال جزء من النقاش العام منشغلاً بتفسير كل أزمة من زاوية المغرب. وإذا كانت فرضية الهجوم الإلكتروني المنسوب إلى مجموعة قرصنة موالية لروسيا لا تزال موضوع تحقيق، فإن الأولوية المنطقية يفترض أن تكون تحديد مصدر الاختراق، ومعرفة كيفية الوصول إلى البيانات، ومحاسبة المسؤولين عن الثغرات، قبل تحويل القضية إلى مادة في صراع جيوسياسي آخر.

والأكثر أهمية أن علاقة مدريد بالرباط ليست علاقة عابرة. المغرب يمثل بالنسبة إلى إسبانيا شريكاً استراتيجياً في ملفات الهجرة والأمن والتجارة والطاقة ومكافحة الجريمة المنظمة. وفي يناير 2026، وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز المغرب بأنه «شريك استراتيجي مركزي» للاتحاد الأوروبي، في تأكيد على الأهمية التي باتت تحظى بها الرباط في السياسة الإسبانية والأوروبية تجاه جنوب المتوسط.

ومنذ التحول الإسباني في قضية الصحراء المغربية سنة 2022، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة، بعدما أعلنت مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً لحل النزاع. هذا التحول لم يلغِ نقاط الخلاف، لكنه أعاد ترتيب المصالح بين البلدين، وفتح الباب أمام تعاون أمني واقتصادي وسياسي واسع.

غير أن هذا التقارب لا يبدو دائماً منعكساً على بعض الخطابات الإعلامية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالهجرة أو سبتة ومليلية أو الصحراء. فهذه الملفات تحمل إرثاً تاريخياً وسياسياً ثقيلاً، وتسمح بسهولة بإعادة إنتاج صورة المغرب باعتباره «مصدر تهديد» بدل التعامل معه كفاعل إقليمي له مصالح وحسابات وقراءة خاصة للتوازنات.

واللافت أن دراسات أكاديمية حديثة حول تغطية الصحافة الإسبانية لقضية الصحراء رصدت بالفعل ارتباط الخطاب الإعلامي بالتغيرات التي طرأت على السياسة الخارجية الإسبانية، بما في ذلك التحول الكبير في موقف مدريد سنة 2022. وهذا يعني أن العلاقة بين الإعلام والسياسة الخارجية في هذا الملف ليست مسألة يمكن تجاهلها عند تحليل طبيعة التغطية الإسبانية.

لكن المشكلة الأكبر ليست في انتقاد المغرب. الإعلام الجاد من حقه، بل من واجبه، أن يحقق في سياسات الدول المجاورة، وأن يطرح الأسئلة الصعبة حول الهجرة والحدود والأمن والدبلوماسية. المشكلة في شيء آخر: عندما يتحول التحقيق إلى اتهام، والفرضية إلى حقيقة، والتساؤل إلى سردية جاهزة.

وفي أزمة سبتة تحديداً، أظهرت التغطيات الدولية أن الصورة أكثر تعقيداً من رواية واحدة. فقد تحدثت تقارير عن دور كبير للمعلومات المضللة وشائعات شبكات التواصل الاجتماعي في دفع المهاجرين إلى الحدود، بينما أشارت تحليلات أخرى إلى أن الأزمة كشفت أيضاً عن ثغرات في الاستعداد الإسباني وأثارت ضغوطاً سياسية على حكومة سانشيز.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في مدريد ليس فقط: «ماذا فعل المغرب؟»، بل أيضاً: «ماذا حدث داخل إسبانيا حتى وصلت الأمور إلى هذه النقطة؟».

فالدولة التي تريد أن تقدم نفسها باعتبارها قوة أمنية متقدمة في جنوب أوروبا مطالبة أولاً بتأمين أنظمتها وقواعد بياناتها وحماية موظفيها، ثم بتقييم أدائها في إدارة أزماتها الحدودية، وبعد ذلك يمكنها أن تنخرط في قراءة أفعال جيرانها.

أما الاستمرار في البحث عن المغرب داخل كل أزمة إسبانية، فقد يكون مريحاً للسياسيين وبعض المنابر الإعلامية، لكنه لا يحل مشكلة أمنية، ولا يسد ثغرة إلكترونية، ولا يحمي بيانات موظف، ولا يمنع أزمة حدودية جديدة.

المغرب ليس فوق النقد، وإسبانيا ليست فوق النقد أيضاً. لكن الفرق بين الإعلام المهني والإعلام الذي يتحول إلى أداة ضغط سياسي يكمن في قاعدة بسيطة: الوقائع أولاً، والاتهام يحتاج إلى دليل، والخصومة السياسية لا يمكن أن تكون بديلاً عن التحقيق الصحفي.

وفي نهاية المطاف، قد يكون أخطر ما في بعض التقارير التي تستهدف المغرب أنها تمنح الجمهور الإسباني إجابة سهلة عن أسئلة صعبة، بينما تحتاج إسبانيا، في ظل التحديات الأمنية والرقمية والحدودية التي تواجهها، إلى إجابات أكثر صعوبة وأقل راحة.

Loading

عدد خاص بمناسبة يوم 8 مارس

صورة المجلة 8 مارس 2026 اكسبريس تيفي
حديث الكنبة
شن طن نجيبة جلال
مجدوبيات
mahdaouiat

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.

Add New Playlist

اشترك الأن لتصلك الأخبار العاجلة أولا