هل يوجد داخل المغرب من يسهّل حملات الضغط الخارجية؟
لا يمكن قراءة العلاقة المغربية الفرنسية اليوم من خلال الإعلام وحده، ولا اختزالها في مقال عدائي يصدر هنا، أو تحقيق مثير للجدل ينشر هناك. فالمعطيات السياسية والاقتصادية والأمنية المتاحة تؤكد أن العلاقة بين الرباط وباريس تعيش، في مجملها، مرحلة متقدمة من التقارب وإعادة بناء الثقة.
منذ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، انتقل البلدان رسميًا إلى ما سُمّي بـ«الشراكة الاستثنائية المعززة»، مع إشراف مباشر من قائدي البلدين على أولوياتها ومسار تنفيذها. ولم يبق هذا التقارب مجرد إعلان دبلوماسي، بل تحول إلى تعاون متسع في الاقتصاد والطاقة والدفاع والأمن والتعليم والثقافة والاستثمار. (elysee.fr)
وجاءت الدورة الخامسة عشرة للاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى، المنعقدة بالرباط يوم 16 يوليو 2026، لتؤكد هذا الاتجاه. فقد أعلنت الحكومتان عن اتفاقيات جديدة، ومشاريع استراتيجية من بينها الربط الكهربائي المباشر، وتعزيز سلاسل القيمة المشتركة، وتوسيع التعاون الأمني في مواجهة الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات. كما يجري التحضير لمعاهدة ثنائية طويلة الأمد قد تكون الأولى من نوعها التي توقعها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي. (info.gouv.fr)
بهذا المعنى، لا توجد مؤشرات علنية تسمح بالقول إن الدولة الفرنسية أو أجهزتها الاستخباراتية اتخذت قرارًا مؤسسيًا بمعاداة المغرب. بل إن الوقائع تشير إلى العكس: تعاون أمني وسياسي واقتصادي يتوسع، ومصالح استراتيجية متداخلة، ورغبة مشتركة في تجاوز سنوات الفتور السابقة.
لكن العلاقات بين الدول لا تتحرك فقط داخل القصور الرئاسية ووزارات الخارجية وأجهزة الأمن.
إنها تتحرك أيضًا داخل فضاءات أكثر تعقيدًا: البرلمان، والإعلام، ومراكز الدراسات، والشركات، وجماعات الضغط، وشبكات المحامين والمنظمات والجمعيات والمصالح الاقتصادية.
وهنا ينبغي التمييز بين فرنسا الدولة وبعض مراكز النفوذ الموجودة داخل فرنسا.
فليس كل ما يصدر عن صحيفة فرنسية تعبيرًا عن موقف الإليزيه، وليس كل تحرك برلماني انعكاسًا لقرار حكومي، كما أن نشاط منظمة أو محام أو مركز أبحاث لا يعني بالضرورة وجود تعليمات من جهاز استخباراتي. فرنسا نفسها فضاء سياسي وإعلامي تعددي، تتنافس داخله توجهات أيديولوجية ومصالح اقتصادية وحسابات انتخابية ورهانات مرتبطة بالمغرب والجزائر والساحل والهجرة والأمن.
لذلك قد يكون من الخطأ تفسير كل حملة تستهدف المغرب باعتبارها عملية تقودها الاستخبارات الفرنسية. بعض هذه الحملات قد يكون نابعًا من مواقف أيديولوجية معلنة، وبعضها من صراعات سياسية داخلية فرنسية، وبعضها من مصالح اقتصادية تخشى فقدان مواقعها داخل المغرب، وبعضها الآخر من شبكات اعتادت التعامل مع المملكة بمنطق النفوذ القديم، ولم تستوعب أن المغرب تغير وأن علاقته بفرنسا لم تعد قائمة على الامتيازات التاريخية أو التبعية السياسية.
المغرب الجديد لم يعد سوقًا محجوزة لشركة أو دولة بعينها.
لقد نوّع شراكاته مع الولايات المتحدة والصين وإسبانيا وبريطانيا ودول الخليج وإفريقيا، وفرض قواعد جديدة في الاستثمار والتعاون الاستراتيجي. ومن الطبيعي أن تزعج هذه التحولات مصالح كانت تعتبر حضورها داخل المغرب حقًا مكتسبًا.
وقد تتحرك هذه المصالح عبر الإعلام، أو عبر إنتاج تقارير ودراسات، أو تحريك أسئلة برلمانية، أو توظيف ملفات حقوقية وقضائية، أو تضخيم أحداث معينة في توقيتات سياسية حساسة.
التابث أيضا أن ليس كل نقد للمغرب مؤامرة، ولا كل تحقيق صحفي عملية ضغط. فالمغرب، مثل جميع الدول، خاضع للنقد والمساءلة. غير أن تكرار بعض السرديات، وانتقائية الملفات، وتزامن الحملات مع تحولات دبلوماسية أو اقتصادية، يبرر طرح الأسئلة حول المصالح التي تقف خلف بعض الديناميات الإعلامية والسياسية.
لكن السؤال الأكثر حساسية ليس فقط: من يضغط على المغرب من الخارج؟
السؤال هو: هل يوجد داخل المغرب من يسهّل هذه الضغوط أو يشارك فيها؟
من الناحية المبدئية، لا يمكن لأي حملة خارجية أن تحقق تأثيرًا كبيرًا من دون وجود مواد أولية، أو روايات، أو تسريبات، أو وسطاء وشبكات محلية تساعد على إنتاجها وترويجها ومنحها مظهر المصداقية الداخلية.
وقد لا يتعلق الأمر دائمًا بعمل منظم أو بتنسيق مباشر مع جهات أجنبية. أحيانًا تكون الدوافع شخصية أو مالية أو سياسية: مسؤول سابق يريد الانتقام، رجل أعمال خسر امتيازًا، فاعل سياسي يسعى إلى تصفية حساب، صحفي يبحث عن حضور دولي، أو شخص يحاول تحويل خلافه الخاص مع مؤسسة أو مسؤول إلى قضية دولية.
وتبدأ العملية عادة بمعلومة مجتزأة أو وثيقة غير مكتملة أو شهادة لا يمكن التحقق منها. تنتقل المادة إلى صحفي أو منظمة أو محام خارج المغرب، ثم تعود إلى الداخل في صورة «تحقيق دولي» أو «تقرير أجنبي». وبعد ذلك تُستعمل صفة المصدر الأجنبي لإضفاء الشرعية على سردية كان جزء من مادتها قد صُنع أصلًا داخل المغرب.
هذه الدائرة، تمثل أحد أخطر أشكال التأثير الهجين: إنتاج الرواية محليًا، وتصديرها إلى الخارج، ثم إعادة استيرادها باعتبارها حقيقة موثقة من مصدر دولي.
مع ذلك، يجب التحلي بأقصى درجات الحذر. فلا يجوز اتهام أشخاص أو مؤسسات بالتعاون مع جهات أجنبية لمجرد أنهم انتقدوا الدولة أو تحدثوا إلى وسائل إعلام خارجية. الاتهام بالتنسيق أو تسريب معلومات أو خدمة مصالح أجنبية اتهام خطير، ولا يمكن أن يقوم إلا على أدلة مادية وتحقيقات قانونية مستقلة.
المطلوب ليس إسكات النقد، بل التمييز بين النقد المشروع وبين عمليات التأثير التي تستغل الصحافة والحقوق والسياسة لخدمة مصالح غير معلنة.
كما أن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بإنتاج خطاب مؤامراتي يرى العدو في كل مكان، وإنما ببناء قدرة وطنية على التحليل والتوثيق والتواصل الاستباقي. فالدولة التي لا تقدم روايتها بسرعة وبالأدلة تترك المجال لغيرها كي يروي قصتها بالنيابة عنها.
المغرب يحتاج اليوم إلى دبلوماسية إعلامية أكثر حضورًا،
وإلى مراكز تفكير تتابع شبكات التأثير، وإلى صحافة وطنية قوية ومستقلة قادرة على التحقيق في حملات الضغط دون السقوط في التخوين أو التبرير. كما يحتاج إلى مزيد من الشفافية، لأن الفراغ المعلوماتي هو البيئة المثالية لنمو الإشاعة والتضليل.
العلاقة المغربية الفرنسية جيدة في مجملها، بل ربما تعيش واحدة من أكثر مراحلها طموحًا. لكن الشراكة الرسمية لا تلغي وجود تنافس مصالح، ولا تمنع لوبيات إعلامية وسياسية واقتصادية من التحرك لحماية مواقعها.
فرنسا ليست كتلة واحدة، والمغرب أيضًا ليس كتلة صماء. وفي المسافة الواقعة بين القرار الرسمي والمصالح الخاصة، تتحرك شبكات النفوذ والضغط.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل فرنسا مع المغرب أم ضده؟
السؤال الأدق هو: من داخل فرنسا يريد شراكة متوازنة مع المغرب، ومن يريد الاحتفاظ بعلاقات الماضي؟ ومن داخل المغرب يساعد، بقصد أو بغير قصد، على استمرار تلك العلاقات القديمة؟
إنها أسئلة مشروعة، لكن الإجابة عنها يجب أن تأتي من التحقيق والأدلة. فالدفاع عن مصالح المغرب يبدأ بفهم خريطة المصالح التي تحيط به، وينتهي ببناء مؤسسات ورواية وطنية لا تترك مصير صورة البلاد في أيدي الآخرين.



















