عرف سوق الإسمنت بالمغرب، منذ بداية الألفية، دورات متباينة اتسمت بفترات من النمو القوي وأخرى من الانكماش، قبل أن تدخل السوق منذ 2023 مرحلة من التحسن التدريجي، مدفوعة أساسا بتنامي الطلب المرتبط بالبناء والبنية التحتية، وإن ظلت وتيرة النمو خلال 2026 متذبذبة.
وخلال الفترة الممتدة بين 2000 و2011، ارتفعت تسليمات الإسمنت بشكل شبه متواصل، منتقلة من أقل من 8 ملايين طن إلى أكثر من 16 مليون طن سنة 2011، وهو أعلى مستوى تاريخي سجلته السوق.
ومنذ 2012، دخل القطاع مرحلة من التصحيح، تميزت بتراجع متواصل في التسليمات خلال عدد من السنوات، قبل أن تتسم الفترة الممتدة بين 2019 و2022 بتقلبات حادة، عكست تأثر الطلب بالظرفية الاقتصادية، وتداعيات جائحة كوفيد-19، وتطور وتيرة النشاط في قطاع البناء.
وبدأت مؤشرات التحسن في الظهور منذ 2023، قبل أن تتعزز خلال 2024 و2025، حيث ارتفعت التسليمات بنسبة 9.45 في المائة و8.21 في المائة على التوالي. وبلغت التسليمات الإجمالية سنة 2025 حوالي 14.82 مليون طن، بزيادة تراكمية تقارب 18.4 في المائة خلال سنتين.
ورغم هذا التحسن، لا تزال السوق دون المستوى القياسي المسجل سنة 2011 بأكثر من مليون طن، ما يؤكد أن التعافي المسجل خلال السنتين الماضيتين لم يؤد بعد إلى استعادة مستويات النشاط التي عرفها القطاع خلال مرحلة النمو السابقة.
وخلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، اتسم أداء السوق بتقلبات واضحة. فقد تراجعت التسليمات بنسبة 18.77 في المائة في يناير و12.63 في المائة في فبراير، قبل أن تعود إلى الارتفاع ابتداء من مارس، مسجلة زيادة بنسبة 2.53 في المائة، ثم قفزة بلغت 31.84 في المائة خلال أبريل.
وعاد السوق إلى الانخفاض في ماي بنسبة 20.64 في المائة، قبل أن يستعيد زخمه في يونيو بزيادة بلغت 27.72 في المائة، ثم يسجل نموا بنسبة 1.89 في المائة خلال يوليوز.
وبذلك، بلغت التسليمات عند نهاية يوليوز حوالي 8.23 ملايين طن، مقابل 8.29 ملايين طن خلال الفترة نفسها من 2025، أي بانخفاض محدود نسبته 0.75 في المائة.
وتكشف بنية التسليمات عن تفاوت في أداء مختلف مكونات الطلب. فقد تراجعت الكميات الموجهة إلى التوزيع، التي تمثل 52.6 في المائة من إجمالي السوق، بنسبة 5.39 في المائة إلى 4.33 ملايين طن.
في المقابل، سجلت الخرسانة الجاهزة للاستخدام نموا بنسبة 7.94 في المائة، لتصل إلى 2.21 مليون طن، فيما ارتفعت التسليمات الموجهة إلى البنية التحتية بنسبة 13.79 في المائة، وإلى قطاع البناء بنسبة 4.53 في المائة.
وتشير هذه التطورات إلى تحول نسبي في مكونات الطلب، مع مساهمة متزايدة لمشاريع البنية التحتية والخرسانة الجاهزة في دعم السوق، مقابل استمرار الضغط على مبيعات الإسمنت الموجهة إلى قنوات التوزيع.
وتأتي هذه الدينامية في سياق استمرار المملكة في تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية والتجهيز، وهو ما يوفر للقطاع رافعة مهمة للنمو خلال السنوات المقبلة، خصوصا في ظل الأوراش المرتبطة بالنقل والتهيئة الحضرية والمشاريع الكبرى.
وعلى مستوى العرض، تتوفر شركات الإسمنت الأعضاء في الجمعية المهنية على طاقة إنتاجية تقدر بضعف حجم الاستهلاك الوطني، وهو ما يوفر للقطاع هامشا مهما لمواكبة أي ارتفاع مستقبلي في الطلب، مع استمرار الشركات في الاستثمار في تحديث الإنتاج وتحسين الكفاءة وخفض البصمة الكربونية.
وتظهر المعطيات الإجمالية أن سوق الإسمنت المغربي دخل بالفعل مرحلة تحسن مقارنة بسنوات الانكماش السابقة، غير أن استدامة هذا المسار ستظل مرتبطة بتطور الاستثمار في البناء والبنية التحتية، وبقدرة الطلب الداخلي على استعادة مستويات أكثر استقرارا خلال الفترة المقبلة.





















