ما جرى في اجتماع الثالث والعشرين من غشت المخصص لاختيار مرشحي النقابة الوطنية للصحافة المغربية لعضوية المجلس الوطني للصحافة لا يشبه، في شيء، عملية ديمقراطية عادية لاختيار ممثلين عن الصحافيين. ما تكشف من تفاصيل الاجتماع يضع النقابة أمام امتحان حقيقي للشفافية والاستقلالية، ويطرح سؤالا أكبر من مجرد أسماء مرشحين: من يختار فعلا؟ ومن يقرر؟ وهل أصبحت القاعدة المهنية مجرد واجهة لتزكية ترتيبات تصنع في الغرف المغلقة؟
من الثالثة بعد الزوال إلى التاسعة ليلا، ظل الاجتماع غارقا في التوتر والاحتقان، بعدما تقدم نحو عشرين مترشحا ومترشحة، قبل أن تنتهي العملية باختيار محمد الحجيوي، ومحمد فرنان، وعبد الكبير خشيشن، وعبد العزيز الجهابلي، ومنية العرشي، ونادية حسيسو، وحنان رحاب. غير أن طريقة تدبير بعض الملفات حولت الاجتماع من محطة تنظيمية إلى مواجهة مفتوحة حول معايير الانتقاء وحدود القرار النقابي.
السؤال الأول يتعلق بعبد الكبير خشيشن. إذا كانت الممارسة الصحافية شرطا من شروط الترشح، فما الأساس الذي تم على أساسه قبول ملف صحافي متقاعد؟ هل توجد وثائق تثبت استمرار الممارسة الفعلية؟ وما المعيار الذي سيطبق على هذا الملف وعلى غيره؟ لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث في انتخابات مهنية هو أن يصبح القانون صارما مع مرشح ومرنا مع آخر.
فإذا كان ملف خشيشن مستوفيا للشروط، فليقل ذلك بوضوح، وليكشف الأساس المهني والقانوني الذي بني عليه القرار. أما أن يظل الأمر غارقا في الصمت والتأويلات، فذلك لا يخدم لا المرشح ولا النقابة ولا العملية الانتخابية.
ثم يأتي ملف حنان رحاب، وهو الملف الذي يبدو أنه كان الأكثر إثارة للجدل داخل الاجتماع. فبحسب المعطيات المتداولة، لم يحظ الملف في البداية بالقبول الذي حظيت به باقي الملفات، وبرزت اعتراضات من خالد الكيراوي وأحمد العلوة، قبل أن تدخل الهواتف والاتصالات على الخط، في محاولة لثني أعضاء عن موقفهم الرافض.
هنا تحديدا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن دفنها تحت شعار التوافق النقابي: هل كانت هناك اعتراضات فعلية؟ وهل تم تضمينها في محضر الاجتماع؟ وهل جرى الاستماع إلى أصحابها؟ وهل تم الاستماع إلى المعنية بالأمر؟ وما مآل المسطرة التأديبية التي يقال إنها كانت مفتوحة بشأنها؟ وعلى أي أساس انتهى الملف إلى القبول؟
هذه ليست أسئلة ثانوية. إنها تمس جوهر الشرعية المهنية للعملية برمتها. والأكثر إثارة للانتباه أن باقي الملفات، وفق ما راج من داخل الاجتماع، مرت بالإجماع، بينما ظل ملف رحاب محاطا بالاعتراضات والنقاش. فإذا كان الأمر كذلك، فمن حق الصحافيين أن يعرفوا: ما الذي تغير بين لحظة الاعتراض ولحظة القبول؟ ومن الذي غير المعادلة؟ وبأي منطق؟
أما الحديث عن محمد الطالبي، وعن تدخله القوي دفاعا عن ترشيح حنان رحاب، وصولا إلى ما قيل عن تعرضه لوعكة صحية، فلا يهمنا هنا الجانب الشخصي بقدر ما يهمنا السؤال السياسي والنقابي: لماذا تحول ملف ترشيح واحد إلى قضية تستنفر هذا القدر من التدخلات والاتصالات؟
هل نحن أمام نقابة تناقش الملفات وفق معايير موحدة، أم أمام ترتيبات تتدخل فيها العلاقات والتحالفات الشخصية؟
ثم هناك ما هو أخطر: الحديث عن تفاهمات مسبقة جمعت عبد الكبير خشيشن ومحمد الطالبي وحنان رحاب، وعن هندسة لائحة قبل انعقاد الاجتماع أصلا. وإذا كانت هذه المعطيات غير صحيحة، فإن أسهل رد على النقابة هو أن تضع أمام الصحافيين محضر الاجتماع وتكشف كيف جرى الانتقال من نحو عشرين ترشيحا إلى اللائحة النهائية، وكيف اتخذت القرارات بشأن كل ملف.
لأن الصمت هنا لا يبدد الشكوك، بل يغذيها. والأمر نفسه ينطبق على ما راج بشأن انسحاب سعيد كوبريت وعثمان النجاري وعدم مشاركتهما في الاجتماع. هل كان الانسحاب مجرد صدفة تنظيمية؟ أم تعبيرا عن اعتراض على طريقة تدبير عملية الترشيح؟ النقابة مطالبة بأن توضح، لأن الغموض في مثل هذه المحطات لا يمكن أن يكون هو القاعدة.
لكن أخطر ما يطرح في هذا الملف هو الحديث عن ممارسة ضغوط على صحافيات وصحافيين، خصوصا العاملين في الصحافة المكتوبة، من أجل عدم تقديم ملفات ترشيحهم. فإذا كان هذا الأمر قد وقع فعلا، فإننا لا نتحدث عن خلاف انتخابي عابر، بل عن سلوك يناقض جوهر العمل النقابي.
النقابة التي يفترض أن تدافع عن الصحافي عندما يتعرض للضغط لا يمكن أن تتحول إلى فضاء لممارسة الضغط على الصحافيين أنفسهم.
وهنا لا يعود السؤال: من فاز في معركة الترشيحات؟ بل يصبح السؤال: هل كانت هناك أصلا معركة ترشيحات، أم أن المطلوب كان فقط إخراج لائحة جاهزة ثم البحث عن الغطاء التنظيمي الذي يمنحها الشرعية؟
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تجيب عنها النقابة بوضوح. فالصحافيون ليسوا قطيعا انتخابيا، وليسوا أصواتا يمكن ترتيبها مسبقا خلف أسماء جرى التوافق عليها. ومن يعتقد أن التحكم في لائحة المرشحين يعني التحكم في أصوات الصحافيين، فهو يرتكب خطأ سياسيا ومهنيا فادحا.
لقد تغير وعي الصحافيين. ولم تعد الصناديق مجرد محطة شكلية لتزكية ما تقرر في الاجتماعات المغلقة. وإذا كان البعض يعتقد أن هندسة اللائحة كافية لضمان النتيجة، فقد يفاجأ بأن القاعدة المهنية تملك كلمة أخرى.
ثم إن أخطر ما يمكن أن يصيب العمل النقابي هو أن يتحول إلى شبكة من التفاهمات الشخصية، حيث يصبح القرب من بعض مراكز النفوذ أهم من الكفاءة، وحيث تتحول المعايير المهنية إلى مواد قابلة للتأويل حسب الحاجة، وحيث يصبح الاعتراض جريمة، والتوافق المصطنع فضيلة.
النقابة مطالبة اليوم بأكثر من بيان إنشائي. عليها أن تجيب: ما هي المعايير التي اعتمدت لقبول الملفات؟ ما الأساس الذي قبل به ملف خشيشن؟ ما حقيقة الاعتراضات على ملف رحاب؟ هل أدرجت في محضر الاجتماع؟ ما مآل المسطرة التأديبية المتداولة؟ هل مورست ضغوط على مترشحين محتملين؟ لماذا انسحب بعض الأعضاء؟ وهل كانت هناك تفاهمات مسبقة بشأن اللائحة؟
هذه ليست أسئلة من أجل التشويش على الانتخابات. إنها أسئلة من أجل حماية الانتخابات. وإذا كانت النقابة واثقة من سلامة مسارها، فلن تجد حرجا في الإجابة عنها واحدة واحدة. أما إذا اختارت الصمت، أو الاحتماء بشعارات من قبيل «الاستهداف» و«التشويش» و«الحسابات الشخصية»، فإنها لن تفعل سوى تأكيد الانطباع بأن هناك ما يستحق التوضيح.
المجلس الوطني للصحافة ليس غنيمة نقابية، وليس ملكية خاصة لهذا الطرف أو ذاك. إنه مؤسسة ترتبط بشرعية التمثيل المهني، ولذلك فإن الطريق إليها يجب أن يمر عبر قواعد واضحة، ومعايير معلنة، وانتخابات نزيهة، لا عبر التفاهمات الخلفية والهواتف المغلقة.
أما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يعتقد أنه يستطيع صناعة النتيجة قبل فتح صناديق الاقتراع فهي بسيطة: يمكنكم هندسة اللائحة، ويمكنكم ترتيب الأسماء، ويمكنكم توزيع الأدوار والتفاهمات كما تشاؤون، لكنكم لا تستطيعون هندسة ضمائر الصحافيين.
الصندوق وحده هو الذي سيقرر. وعندها فقط سيتضح إن كانت اللائحة التي خرجت من اجتماع الثالث والعشرين من غشت تمثل فعلا إرادة الصحافيين، أم أنها تمثل فقط إرادة من جلسوا حول الطاولة وقرروا أن يتحدثوا باسمهم.





















