لا يعني التوفر على دخل قار والقدرة على تسديد المصاريف الشهرية في مواعيدها أن الأسرة قادرة بالضرورة على ادخار جزء من مداخيلها. فبين تحقيق التوازن المالي وتكوين احتياطي مالي يضمن الاستقرار، تواجه الطبقة المتوسطة تحديا يرتبط بمدى قدرتها على الاحتفاظ بجزء من دخلها بعد تغطية النفقات الأساسية.
ومع اقتراب سنة 2027، يُرتقب أن تساهم مجموعة من التدابير، من بينها إصلاح الضريبة على الدخل والتكفل ببعض فواتير الكهرباء واستمرار دعم عدد من المواد، في تخفيف الضغط على الميزانيات الأسرية. غير أن أثر هذه الإجراءات لن يتحول بالضرورة إلى مدخرات إضافية، إذ قد تلجأ أسر إلى توجيه الأموال التي ستوفرها نحو تسديد نفقات مؤجلة، أو تقليص الاعتماد على القروض، أو إعادة تكوين احتياطاتها المالية التي استنزفتها تكاليف المعيشة خلال السنوات الماضية.
وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى ارتفاع ادخار الأسر المغربية من 104.06 مليارات درهم سنة 2023 إلى 119.98 مليار درهم سنة 2024، فيما ارتفع معدل الادخار إلى 11.3 في المائة، مقابل 10.5 في المائة خلال السنة السابقة.
وتزامن هذا التطور مع ارتفاع الدخل الوطني المتاح للأسر إلى 1.059,7 مليار درهم سنة 2024، بزيادة بلغت 6.7 في المائة. كما سجلت المندوبيةتحسنا في القدرة الشرائية بنسبة 5.1 في المائة خلال السنة نفسها، مدعوما، من بين عوامل أخرى، بتباطؤ التضخم.
في حين تعكس هذه المؤشرات تحسنا على المستوى الإجمالي بعد الضغوط التي عرفتها القدرة الشرائية خلال السنوات الماضية، لكنها لا توضح كيفية توزيع المدخرات بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ولا تحدد بشكل دقيق نصيب الطبقة المتوسطة من هذا التحسن.
وفي السياق ذاته، أفاد التقرير السنوي الثالث عشر حول الاستقرار المالي، الصادر في يوليوز 2026 عن بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، بأن الأصول المالية للأسر المغربية بلغت 1.192 مليار درهم مع نهاية سنة 2025.
وتشكل الودائع البنكية الجزء الأكبر من هذه الأصول، بقيمة بلغت 935 مليار درهم، إلى جانب استثمارات في القيم المنقولة وصلت إلى 114 مليار درهم.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإن ارتفاع الأصول المالية المتراكمة على مدى سنوات لا يعني أن جميع الأسر قادرة على ادخار جزء من مداخيلها بشكل منتظم. كما أن نمو المدخرات الإجمالية لا يكفي وحده للاستنتاج بأن الوضع المالي للطبقة المتوسطة تحسن بالوتيرة نفسها.
في المقابل، تقدم نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط خلال الفصل الثالث من سنة 2026، صورة مختلفة عن الوضع المالي اليومي للأسر المغربية.
وأظهرت المعطيات أن 58.2 في المائة من الأسر المستجوبة صرحت بأن مداخيلها تغطي نفقاتها، في حين أكدت 39 في المائة أنها تضطر إلى الاستدانة أو اللجوء إلى مدخراتها لتغطية استهلاكها الجاري.
أما الأسر التي تمكنت من ادخار جزء من مداخيلها، فلم تتجاوز نسبتها 2.8 في المائة، وفق نتائج البحث.
وتهم هذه الأرقام مجموع الأسر المغربية، ولا تقتصر على الطبقة المتوسطة، كما تستند إلى تصريحات المستجوبين ضمن بحث حول الظرفية الاقتصادية، وليس إلى قياس محاسباتي مباشر للمبالغ التي تدخرها الأسر فعليا.
ومع ذلك، فإن الجمع بين هذه المؤشرات يبرز مفارقة أساسية في قراءة الوضع الاقتصادي للأسر: فارتفاع الادخار على المستوى الوطني وتحسن القدرة الشرائية لا يعنيان بالضرورة أن الأسر أصبحت قادرة على تكوين فائض مالي منتظم.
وبالنسبة إلى الطبقة المتوسطة، لا يرتبط تحسن القدرة الشرائية فقط بزيادة الدخل أو تخفيف بعض الأعباء الضريبية، بل يتوقف أيضا على مدى قدرة هذه الأسر على تغطية نفقاتها الأساسية دون استنزاف مدخراتها، مع الاحتفاظ بهامش مالي يسمح لها بمواجهة الطوارئ والتخطيط لمشاريعها المستقبلية دون المساس بمستوى عيشها.



















