مارك إسبوسيتو : أستاذ سياسات التكنولوجيا في جامعة نورث إيسترن، وأستاذ مشارك في مركز بيركمان كلاين للإنترنت والمجتمع في جامعة هارفارد، وكبير خبراء الاقتصاد في شركة micro1. هو المؤلف المشارك لكتاب “Becoming AI Native” (Routledge, 2026) وكتاب “The Great Remobilization: Strategies and Designs for a Smarter Global Future” (دار نشر معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، 2023).
أوريلي جان : الرئيسة التنفيذية والمؤسِّسة الـمُشارِكة لشركة Infra، وهي شركة بادئة معنية بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي العميقة في مجال طب المرأة الوقائي.
وَقَّعَ أكثر من 200 خبير اقتصادي وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي، منهم 16 حائزا على جائزة نوبل، على بيان بعنوان “يجب أن نتحرك الآن“، محذرين من أن الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي على نطاق أضخم من ذلك الذي كانت عليه الثورة الصناعية ــ وبسرعة أكبر كثيرا. كنا بين الموقعين على البيان، لكن إدراك المخاطر لا يحسم مسألة الكيفية التي ينبغي بها تطوير الذكاء الاصطناعي. أحد ادعاءات البيان المركزية هو أن الذكاء الاصطناعي يجب يُـوَجَّه نحو تكملة البشر وليس تقليدهم. وهذا التمييز على جانب من الأهمية أعظم مقارنة بما قد يبدو عليه.
إن تكملة البشر ليست مسألة عاطفية، بل هي استراتيجية لخلق أسواق جديدة. يكمل الذكاء الاصطناعي البشر عندما يعمل على توسيع نطاق الأمور الجديرة بالاهتمام، وتعزيز القدرة على الوصول إليه بخفض التكاليف، وتمكين الناس من القيام بما كان في السابق بعيدا عن منالهم. أما عندما يقتصر دوره على نقل مهام بعينها من العمال إلى النماذج، فإنه يحل محلهم. أحد المسارين يزيد من حجم الكعكة الاقتصادية؛ والآخر يكتفي بإعادة توزيع القيمة. الغرض من الذكاء الاصطناعي هو التوسع، وينبغي للسياسات أن تشجعه في هذا الاتجاه.
يستند جزء كبير من المناقشة الدائرة حاليا حول الذكاء الاصطناعي إلى مغالطة اقتصادية مألوفة: الاعتقاد بأن هناك كمية ثابتة من العمل المتاح، وأن كل مهمة تؤديها آلة تحل بالضرورة محل عامل بشري، وأن السؤال الوحيد هو مدى سرعة تدمير التكنولوجيا للوظائف. هذه النظرة القائمة على مبدأ “المحصلة صِفر” تكاد تكون مخطئة دائما. كان من المتوقع أن يتسبب النول الآلي، والجرار، والكمبيوتر الشخصي، وكثير غير ذلك، في إحداث بطالة جماعية. بدلا من ذلك، وبفضل خفض تكاليف الإنتاج، خلقت هذه التكنولوجيات عددا من الوظائف أكثر من ذلك الذي أزالته.
أطلق إريك برينجولفسون، أحد منظمي حملة “يجب أن نتحرك الآن”، على نسخة عصر الذكاء الاصطناعي من هذه المغالطة مسمى “فخ تورينج“. وقد زعم أن تصميم الذكاء الاصطناعي لتقليد البشر يدفع التكنولوجيا نحو الاستبدال بدلا من التعزيز، ويُركّز السلطة في أيدي أولئك الذين يملكون الأنظمة، ويترك للعمال العاديين فرصا أقل لخلق القيمة. في حين يُـقَـسِّم التقليد الكعكة، فإن التعزيز يجعلها أضخم. قد يكون التقليد هو الهدف الهندسي الأكثر وضوحا، لكنه يؤدي غالبا إلى نتائج اقتصادية أسوأ للجميع تقريبا.
إن العملية التي تدفع من خلالها التكنولوجيا النمو الاقتصادي راسخة بشدة، وإن كانت تُنسى غالبا. فعندما تخفض الأتمتة (التشغيل الآلي) تكلفة إنتاج شيء ما، يزداد الطلب عليه عادة، فيخلق هذا مزيدا من الطلب على العمالة البشرية التي لا تستطيع الآلات الحلول محلها.
لنتأمل هنا ماكينة الصراف الآلي كمثال. كما وثّق جيمس بيسن، خفضت ماكينات الصراف الآلي عدد الصرافين في كل فرع من حوالي 20 إلى 13. ولأن تكلفة تشغيل الفروع أصبحت أقل، افتتحت البنوك مزيدا منها. نتيجة لهذا، استمر إجمالي عدد الصرافين في النمو لعقود من الزمن، بينما تحولت طبيعة العمل من عد النقود إلى تقديم المشورة للعملاء. بعبارة أخرى، ساعدت التكنولوجيا التي كان من المتوقع على نطاق واسع أن تقضي على مهنة ما في رواجها وانتشارها بدلا من ذلك.
في ورقة بحثية صادرة عام 2019، اقترح دارون عاصم أوغلو وباسكوال ريستريبو إطارا لفهم هذه الديناميكية. وأوضحا أنه في حين تنقل الأتمتة بعض المهام من العمال إلى الآلات، فإن هذه الخسائر يقابلها ارتفاع في الإنتاجية، والأهم من ذلك، خلق مهام جديدة تماما تتطلب مهارات بشرية. الواقع أن كثيرا من المهن التي غذت نمو العمالة على مدار العقود القليلة الأخيرة لم تكن موجودة إلا بالكاد قبل جيل واحد.
لا توجد ضمانات بكل تأكيد. يصف عاصم أوغلو وريستريبو أيضا ما يسميانه “أتمتة بين-بين”: تكنولوجيات تحل محل العمال دون تحقيق مكاسب إنتاجية كافية أو توليد الطلب الكافي لخلق فرص جديدة، بما يؤدي إلى تقلص حصة العمالة في الاقتصاد.
يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد بدرجة أكبر من التأثير مقارنة بموجات الأتمتة السابقة؛ لأنه، بدلا من الاكتفاء بأتمتة المهام الفردية، يعمل على خفض تكلفة الإدراك ذاته. وعندما تسجل تكلفة مثل هذا الـمُدخَل ذي الغرض العام انخفاضا حادا، لا تستهلك الأسواق مزيدا من الخدمات ذاتها فحسب، بل تخلق خدمات جديدة. إن خفض تكلفة الخبرة القانونية والطبية والتربوية والعلمية ــ وهي مجالات كان الوصول إليها مقيدا لفترة طويلة بسبب ندرة المهنيين المهرة ــ لا يحل محل المتخصصين، بل يمكّنهم من الوصول إلى عدد أكبر كثيرا من الناس مقارنة بما كان في حكم الممكن في السابق.
هذا هو المعنى الحقيقي للتكامل. فالأداة تكمل البشر عندما تزيد من قيمة الـحُكم، والذوق، والمساءلة، والعلاقات، وغير ذلك من القدرات البشرية التي لا يوفرها الذكاء الاصطناعي. ومع توفر القدرات الإدراكية الخام بكثرة، تزداد قيمة تلك المدخلات البشرية المميزة، ولا تقل.
بطبيعة الحال، لو كانت هذه النتائج حتمية، لكان البيان الذي وقعنا عليه يصبح غير ضروري. يتوقف حلول الذكاء الاصطناعي محل العمل البشري أو عمله على تكميله على الخيارات التي نتخذها اليوم. من السهل تحديد تكلفة استبدال عامل، وتمويل وتبرير هذا الاستبدال، في حين أن بناء أدوات تمكّن الناس من إنجاز أشياء لم يستطع أحد إنجازها من قبل أصعب كثيرا، ويستغرق وقتا أطول قبل أن يؤتي ثماره، ويُنتج فوائد أكثر انتشارا. إذا تُرك رأس المال لشأنه، فإنه يميل إلى الانجذاب نحو الاستبدال لأن الاستبدال يمثل الحالة التجارية الأبسط.
لإطلاق العنان لكامل إمكانات الذكاء الاصطناعي الاقتصادية، يجب أن نوجهه نحو التوسع. وهذا يتطلب الاستعاضة عن الحوافز التي تحابي رأس المال على حساب العمالة بأخرى تكافئ تعزيز القدرات البشرية والاستثمار فيها. لا يجوز لنا قياس النجاح بعدد العمال الذين يحل الذكاء الاصطناعي محلهم، بل بحجم الطلب والفرص الجديدة التي يخلقها. ونظام الذكاء الاصطناعي الذي يكتفي بأتمتة العمل الحالي يفشل في اجتياز هذا الاختبار، حتى لو أدى إلى زيادة الأرباح في الأمد القريب.
كما سبق وأوضحنا، فإن السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي ليصبح قويا ــ فهو كذلك بالفعل، وسوف يزداد قوة ــ بل ما إذا كنا لنستخدم هذه القوة لتضييق نطاق العمل البشري أو توسيعه ليشمل أسواقا لا يمكننا تصورها بعد. بدلا من أتمتة المهام التي يؤديها البشر بالفعل بشكل جيد، ينبغي لنا تمكينهم من إنجاز أشياء كانت غير متصورة في السابق، وضمان تقاسم الرخاء الناتج عن ذلك على نطاق واسع.





















