جواد صالحي أصفهاني : أستاذ الاقتصاد في جامعة Virginia Tech، هو زميل الأبحاث في منتدى البحوث الاقتصادية في القاهرة
اتسمت الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران بسلسلة من الحسابات الخاطئة، بدءا من الاعتقاد الخاطئ بأن القضاء على قيادة الجمهورية الإسلامية من شأنه أن يؤدي إلى انهيار النظام أو يجبره على “الاستسلام غير المشروط“. وكان افتراض الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن إيران مستعدة لطي صفحة الحرب والانتقال إلى مرحلة إعادة البناء خاطئا بذات القدر.
ترى إيران في سيطرتها على مضيق هرمز ــ وما يترتب على ذلك من قدرة على إغلاق الممر المائي ــ إحدى وسائل الردع القليلة المتبقية لديها، وبالتالي فهي شرط أساسي للسلام. بعد حملتين عسكريتين، سبق كل منهما مساعٍ دبلوماسية، لا يرغب قادة إيران في التخلي عن مصدر النفوذ هذا دون ضمانات جديرة بالثقة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تهاجما مرة أخرى.
لكن السلام الدائم يتطلب أكثر من الردع العسكري. فهو يستلزم تسوية سياسية واقتصادية تُقتَسَم فوائدها على نطاق واسع.
تقدم تداعيات الحرب الإيرانية-العراقية درسا مهما. فقد ترك وقف إطلاق النار عام 1988، الذي أنهى صراعا دام ثماني سنوات، النظام في مواجهة التحدي المتمثل في تبرير التضحيات الهائلة التي تكبدتها الحرب دون تعزية النصر. وعلى هذا فقد انتقل التركيز السياسي من ساحة المعركة إلى أجندة الثورة الداخلية غير المكتملة.
انحسرت الانقسامات الأيديولوجية التي كشف عنها وقف إطلاق النار تدريجيا في عهد الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي أطلقت حكومته واحدا من أكثر برامج التنمية طموحا في تاريخ إيران الحديث. في صميم هذا البرنامج كان الاستثمار العام الضخم في البنية الأساسية الريفية، والذي جلب الطرق الممهدة، والكهربة، ومياه الشرب، والمدارس، والعيادات للمناطق التي طال إهمالها.
نتيجة لهذا، انتُشِل ملايين الإيرانيين من براثن الفقر، وتوسعت الطبقة المتوسطة من نحو 30% إلى 60% من السكان (وإن كانت تراجعت منذ ذلك الحين). في الوقت ذاته، ألغى النظام الحظر الذي كان مفروضا على تنظيم الأسرة، مستفيدا من شبكته الصحية الريفية الجديدة لتحسين صحة الأمهات والأطفال، وتوسيع نطاق الوصول إلى وسائل منع الحمل، وزيادة مستوى التحصيل التعليمي بين النساء. وبحلول عام 2000، تسنى للنساء سد الفجوة التعليمية مع الرجال.
من خلال جعل “إعادة البناء” مرادفا للعدالة الاجتماعية والتنمية الوطنية، تمكن رفسنجاني من التوفيق بين أجندته الاقتصادية والتطلعات الثورية لأولئك الذين رأوا في وقف إطلاق النار مع العراق تنازلا إيديولوجيا. وأصبحت إعادة بناء البلاد المهمة الجديدة المكلفة بها الثورة، فساعَد ذلك في الحفاظ على التحالف الواسع الذي دعم الجمهورية الإسلامية أثناء الحرب.
تواجه جهود السلام الحالية تحديا أصعب، لكن منطقها السياسي مشابه بشكل لافت للنظر. فكما أوردت التقارير، أشار محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين في المحادثات الأخيرة مع الولايات المتحدة، إلى أن أولئك القادرين على إعادة بناء البلاد “يجب أن يتسلموا الزمام من مُطلقي الصواريخ”، مرددا بذلك خطاب رفسنجاني في فترة ما بعد الحرب.
بيد أن عملية إعادة البناء لم يعد يُنظر إليها على أنها امتداد لوعد الثورة بالعدالة الاقتصادية. في نظر كثير من الإيرانيين، أصبحت الإصلاحات الموجهة نحو السوق، والتجارة، والاستثمار الأجنبي مرتبطة بالسعي وراء الريع وليس الرخاء المشترك. وفي حين كان الاستثمار العام في الطرق، والعيادات، والمدارس، وتوصيل الكهرباء متماشيا مع المثال الثوري للعدالة الاجتماعية في عام 1988، فلن نجد اليوم أي مشروع تنموي مماثل قادر على توحيد الفصائل السياسية المتنافسة في البلاد.
خَـلَّـفَت حرب العراق أيضا ملايين المحاربين القدامى والأسر المكلومة التي احتاجت إلى دعم طويل الأمد، وهي الحال التي أدت إلى نشوء ما أطلق عليه كيفان هاريس من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) مسمى “دولة رفاهة الشهداء“. منحت عملية إعادة البناء المؤسسات التي نشأت في زمن الحرب مهمة في زمن السلم، حيث وجد عدد كبير من قدامى المحاربين في الحرس الثوري أدوارا مثمرة من خلال مقر خاتم الأنبياء للبناء والتشييد، وهي المنظمة الهندسية التي شَجَّع رفسنجاني توسعها.
يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كانت القيادة الحالية قادرة على صياغة مشروع سياسي مقنع بذات القدر. على مدار العقود الثلاثة الأخيرة، تحول السعي الثوري لتحقيق العدالة الاجتماعية تدريجيا من الاستثمار العام إلى دعم الدخل، فأصبحت التحويلات النقدية في نهاية المطاف الأداة الرئيسية لإعادة التوزيع. في عام 2011، عندما جرى تقديمها لأول مرة لتعويض إلغاء دعم الطاقة والخبز، بلغت هذه التحويلات نحو 28% من متوسط دخل الفرد في الأسرة. بيد أن المخاوف من تأجيج التضخم حالت دون زيادة قيمتها الاسمية من جانب الحكومة، وبحلول عام 2025، انخفضت قوتها الشرائية الحقيقية إلى جزء ضئيل من مستواها الأصلي.
دَفَـعَـت الضغوط الشديدة المفروضة على مستويات المعيشة نتيجة لتشديد العقوبات الأميركية والحرب الدائرة الحكومة إلى زيادة هذه التحويلات النقدية. ولكن برغم أنها توفر الآن شبكة أمان ضد الجوع، فإنها بعيدة كل البعد عن برامج إعادة البناء التحويلية التي شهدتها فترة ما بعد حرب العراق.
لقد أصبح توفير شبكة أمان للأسر العادية حتمية سياسية بقدر ما هو ضرورة اقتصادية. في عام 2019، رفعت حكومة الرئيس حسن روحاني أسعار البنزين دون التعويض عن هذا العبء من خلال التحويلات النقدية، فأشعل ذلك شرارة احتجاجات عَـمَّت أنحاء البلاد. وبعد دخول “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA) حيز التنفيذ، أعلنت الحكومة عن خطط لشراء 200 طائرة من شركتي بوينج وإيرباص. من منظور كثيرين من الإيرانيين من ذوي الدخل الأدنى، عززت هذه الأحداث الانطباع بأن السياسيين الذين يسعون إلى الدبلوماسية والإصلاحات الموجهة نحو السوق كانوا أكثر اهتماما بمكافأة النخبة من رفع مستويات المعيشة.
سوف تشكل هذه التجارب حتما الطريقة التي يحكم بها الإيرانيون على أي اتفاق سلام مع الولايات المتحدة. فإذا رأوا أن الاتفاق يعود بالفائدة في المقام الأول على المصدرين، والمستثمرين، والمهنيين في المناطق الـحَضَرية، بينما يُطلب من الأسر الأدنى دخلا تحمل التكاليف، فمن غير المرجح أن يحظى بدعم شعبي قوي.
حتى الآن، ركزت مقترحات رفع العقوبات على السماح لإيران بتصدير المزيد من النفط واستعادة الوصول إلى الأصول الأجنبية المجمدة. ورغم أن هذه الإجراءات من شأنها تعزيز موارد الحكومة المالية والمساعدة في سداد تكاليف الواردات، فإنها لن تسهم كثيرا في توفير فرص عمل عريضة القاعدة.
على النقيض من ذلك، سوف يُـسهِم رفع العقوبات المالية بدرجة أكبر كثيرا في دعم خلق فرص العمل. فمن خلال عزل الشركات الإيرانية الصغيرة والمتوسطة عن الأسواق العالمية، تمنع هذه العقوبات ملايين الإيرانيين المتعلمين من الاستفادة من انخفاض قيمة الريال لبيع السلع والخدمات في الخارج. ونظرا لضعف الطلب المحلي جراء سنوات من العقوبات والركود، أصبح الوصول إلى الأسواق الخارجية السبيل الرئيسي لتوسيع الإنتاج.
وعلى هذا فإن تمكين الشركات الإيرانية من العودة إلى الأسواق العالمية سيزيد الطلب على العمالة الإيرانية ويعزز دخل الأسر من خلال التوظيف بدلا من التحويلات المالية. الأمر الأكثر أهمية أنه سيمنح ملايين الإيرانيين مصلحة مباشرة في الحفاظ على السلام.
برغم أن ترمب قد يجد صعوبة سياسية في رفع هذه العقوبات، فإن أي اتفاق لا يسمح للشركات الإيرانية باستعادة الوصول إلى التمويل والتجارة الدوليين سيواجه صعوبة في توفير الوظائف اللازمة لتحقيق سلام مستدام. في نهاية المطاف، قد يتبين أن أي اتفاق يكرر أخطاء خطة العمل الشاملة المشتركة لن يكون أكثر ديمومة من سابقه.





















