اوسار أحمد/
في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، وتصدرت فيه الرويبضة منصات التوجيه الرقمي، لم يكن ينقص المشهد العبثي سوى أن يطل علينا “مسخوط مو”، الهارب هشام جيراندو، متأبطاً ذراع توأمه في الارتزاق عبد المجيد الملقب بـ “الفرشة بوخنونة”، ليقدما لنا فاصلاً رديئاً من كوميديا النضال الافتراضي.
من سخرية القدر أن يتحول مطاريد العدالة، الذين تزكم أنفاسهم روائح النصب والاحتيال والابتزاز، إلى “مفتين” في الشأن العام وموزعين لصكوك الوطنية من وراء شاشات هواتفهم في أقاصي الأرض. إننا أمام حالة مستعصية من الشيزوفرينيا وعقوق الوطن؛ كائنات مشوهة نفسياً، تعتقد بغباء أن الصراخ والعويل في “اللايفات” المسترسلة سيمسح من السجل الجنائي حقيقة كونهما مجرد أدوات رخيصة، وبيادق تقتات من قمامة الغرف السوداء التي تحركها بـ “الريموت كونترول”.
المضحك المبكي في ظاهرة هذا الـ “مسخوط” وذاك الـ “فرشة”، هو تلك القدرة المرضية على تصديق الكذبة. لقد أقنعا نفسيهما بأنهما يشكلان تهديداً استراتيجياً للدولة، بينما الحقيقة أن ما يحركهما ليس سوى حقد دفين وفوبيا حقيقية تجاه كل ما هو مشرق في هذا البلد. حين يشقان جيوب النواح احتجاجاً، فذلك لأن القطار فائق السرعة “البراق” داس على أوهامهم، ولأن استعدادات المملكة لاحتضان مونديال 2030 أصابتهم بجلطة دماغية. لقد بلغت بهم العقدة حد التشكيك حتى في تراث الأجداد من قفطان وزليج، وكأن الأصالة المغربية أصبحت مؤامرة كونية تستهدف استقرارهم النفسي الهش في ديار الغربة. هذا العماء يثبت عجز هذه العقول المتحجرة عن استيعاب مسار دولة تتقدم بخطى واثقة، بينما يغرقان هما في وحل العدمية، ويحاولان عبثاً ركوب أمواج الأزمات الاجتماعية العابرة لتبخيس منجزات سيادية تفخر بها الأمم.
إن محاولة هذا الثنائي المريض تسويق المظلومية وإيهام السذج بأن الأجهزة الأمنية تحاربهما كمعارضين سياسيين، هي نكتة سمجة لا تضحك أحداً. فالتهم التي تلاحقهما لا تحتاج إلى تنظير سياسي ولا تقاطع إيديولوجي؛ إنها جرائم حق عام بامتياز، قوامها السطو والتشهير والابتزاز الإلكتروني والمتاجرة بأعراض الناس. ولأن حبل الابتزاز قصير مهما طال، فقد تحطمت مسرحيتهما الهزلية على صخرة الحقيقة مع الفضيحة المدوية التي قادت القاضي وليد الطالبي ليجاور الجدران في سجن “العرجات”. هذا السقوط الأخلاقي والمهني كشف للرأي العام عن مافيا تخابر وابتزاز مكتملة الأركان، وأسقط آخر ورقة توت عن عورة جيراندو وعصابته.
من يدعي محاربة الفساد ظهر على حقيقته كسمسار يخترق أسرار العدالة ليشتري الذمم ويفبرك الملفات، لكن رسالة الدولة كانت صارمة وواضحة: لا أحد فوق القانون، وحصانة الشاشات وشعارات اليوتيوب لا تحمي من سولت له نفسه العبث بأمن الوطن واستقرار مؤسساته.
وما زاد من سعار هذا البوق وزميله في حرفة الارتزاق، هو ذلك الزلزال الدبلوماسي الذي ضرب معاقل رعاتهم، والمتمثل في الشراكة التاريخية الاستراتيجية بين الرباط وباريس. لقد خرج جيراندو يجر أذيال خيبته، محاولاً بأسلوبه “الزنقاوي” والتبسيط العقلي الفج تبخيس معاهدة سيادية فرض فيها المغرب شروطه بندية غير مسبوقة، واصفاً إياها بجهل مركب بأنها صفقة دكاكين. لم يستوعب هذا الكائن الهجين، الذي تشبع بعقلية العبودية والتبعية، كيف استطاعت دولة أن تجبر قوة عظمى على الانحناء التام والإقرار بمغربية الصحراء كمنطلق أوحد لأي علاقة. لقد أخرست هذه الانتصارات ألسنة الأسياد، فما كان من البيادق سوى اجترار مرارة اليأس. في النهاية، ستبقى القافلة المغربية تمضي بكبرياء لتصنع التاريخ وتصيغ مستقبل المنطقة، بينما سيظل “مسخوط مو” و”الفرشة” مجرد ظواهر صوتية نجسة، تراوح مكانها في مزبلة التاريخ الافتراضي، تموت ببطء في عزلتهما وتقتات على الوهم حتى تلفظها الذاكرة إلى الأبد… وشوف تشوف!





















