بقم نجيبة جلال/
حين فرض المغرب تفوقه على كندا بثلاثة أهداف دون رد، لم يكن الأمر مجرد انتصار كروي عابر، ولا مجرد مرور إلى ربع نهائي كأس العالم. كان المشهد، في عمقه، أكبر من ملعب، وأوسع من نتيجة، وأبعد من صافرة نهاية.
كانت هناك دولة تتكلم بلغة أخرى.
في كل المشاريع ، لا تولد النتائج الكبرى من فراغ. قد تمنح الصدفة فريقاً لحظة مجد، وقد يصنع الحماس مباراة استثنائية، لكن الاستمرارية لا تصنعها المصادفة. الاستمرارية تصنعها الرؤية، والتنظيم، والمؤسسات، والإرادة الهادئة التي تعرف ماذا تريد، ثم تشتغل بصبر حتى تصل إليه.
لهذا، لم يعد ممكناً النظر إلى المنتخب المغربي باعتباره جيلاً ذهبياً فقط. فالأجيال الذهبية تظهر ثم تنطفئ، تلمع ثم تغيب. أما ما يقدمه المغرب اليوم، فهو أقرب إلى مشروع دولة منه إلى طفرة رياضية. مشروع بدأ من التكوين، ومرّ عبر الاستثمار في البنية الرياضية، واستند إلى إيمان جديد بأن المغرب لا يذهب إلى العالم ليطلب الاعتراف، بل ليشارك في صناعة الحدث.
بعد ملحمة 2022، حاول كثيرون أن يضعوا التجربة في خانة الاستثناء. قيل إنها لحظة حماس، ودفعة جمهور، ومفاجأة بطولة. لكن ما جرى أمام كندا أعاد ترتيب الصورة. المغرب لم يعد مفاجأة. المغرب أصبح احتمالاً دائماً في حسابات الكبار.
والفرق بين المفاجأة والقوة أن الأولى تدهش مرة، أما الثانية فتفرض نفسها كل مرة.
في مواجهة كندا، لم يكن المغرب يلعب فقط ضد منتخب. كان يلعب أيضاً ضد ذاكرة طويلة من محاولات التشويش على صورته. فهذه البلاد التي استضافت فوق ترابها بعض الأصوات التي حاولت استغلال قوانينها ومساحات الحرية فيها لمهاجمة المغرب ومؤسساته، وابتزاز مواطنين مغاربة، وجدت نفسها اليوم أمام صورة أخرى للمغرب: صورة دولة واثقة، منظمة، صاعدة، لا ترد على الضجيج بالضجيج، بل بالإنجاز.
لقد كان التحول في الموقف الكندي من قضية الصحراء المغربية، من خلال التعامل مع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساساً جدياً وذا مصداقية للحل، مؤشراً على بداية مراجعة في أوراق العلاقة بين الرباط وأوتاوا. لكن السياسة أحياناً تحتاج إلى ما هو أوسع من البيانات الرسمية. تحتاج إلى صورة، إلى لحظة، إلى حدث تراه الشعوب قبل أن تقرأه المكاتب.
و هذا الانتصار المغربي الكروي يفتح باباً أكبر.
فكندا، وهي تعيد قراءة علاقتها بالمغرب، لن ترى فقط بلداً يربح مباراة. سترى دولة توسع حضورها في إفريقيا، وتبني شراكاتها بهدوء، وتدافع عن وحدتها الترابية بثقة، وتملك جالية حية، ومنتخباً يرفع علمها في قلب العالم، وصورة صاعدة لا تستطيع حملات التشويه أن تطمسها.
لهذا ستضيق المسافة أمام المرتزقة. أولئك الذين اعتقدوا أن المنصات قادرة على صناعة وطن بديل، أو أن الابتزاز يمكن أن يصمد أمام الدولة، أو أن التشهير يمكن أن يهزم الحقيقة. لم يعد لهم وقت طويل. لأن الدول حين تتقدم، تترك خلفها صداع التشويش. وحين تكبر الصورة، يصغر الهامش الذي يعيش فيه تجار الفوضى.
انتصار المغرب على كندا لم يكن نهاية مباراة. كان بداية مرحلة جديدة.
مرحلة المغرب الذي لم يعد يكتفي بالدفاع عن صورته، بل أصبح يصنعها. لم يعد يشرح نفسه للآخرين، بل يفرض عليهم أن يعيدوا قراءته. ولم يعد يراهن على جيل عابر، بل على مشروع ممتد.
هذا ليس جيلاً ذهبياً فقط.
إنه مشروع دولة يعرف كيف يراكم، وكيف يصبر، وكيف ينتصر في اللحظة التي يعتقد فيها الآخرون أنه جاء فقط ليشارك.





















