بقلم الدكتور أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية /
مع اقتراب المواجهة المرتقبة التي ستجمع المنتخب المغربي بنظيره الفرنسي، تتجه أنظار ملايين المتابعين، وفي مقدمتهم أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، إلى هذا الموعد الرياضي الذي يتجاوز حدود المنافسة داخل المستطيل الأخضر، ليصبح مناسبة تعكس قيم الانتماء والرقي والاحترام، وفي مثل هذه المناسبات، تكثر على منصات التواصل الاجتماعي المنشورات والرسائل المتداولة، بعضها يحمل دعوات إلى الاحتفال المسؤول، وبعضها الآخر يتضمن مزاعم وتحذيرات بشأن محاولات محتملة لاستغلال الأجواء الرياضية لإثارة الفوضى أو تشويه صورة الجماهير المغربية، ومن الحكمة التعامل مع مثل هذه المنشورات بقدر كبير من الوعي، وعدم الانجرار وراء كل ما يتم تداوله دون تثبت أو اعتماد على المصادر الرسمية.
إن الجماهير المغربية، أينما وجدت، صنعت عبر سنوات طويلة صورة مشرقة يشهد لها القريب والبعيد، بفضل سلوكها الحضاري وتشجيعها الراقي واحترامها للقوانين والأنظمة في البلدان التي تحتضنها، وقد أثبتت في محطات رياضية كبرى أن حب الوطن لا يقاس بعلو الهتافات فقط، بل أيضا بحسن التصرف، وضبط النفس، والمحافظة على الأمن العام والممتلكات العامة والخاصة، وهذه السمعة الطيبة هي رأسمال معنوي ثمين ينبغي صونه، لأنها ثمرة جهود أجيال من المغاربة الذين جعلوا من الاحترام والتعايش عنوانا لحضورهم في مختلف دول العالم.
وفي المقابل، فإن ما يتداول من مزاعم حول احتمال قيام بعض الأفراد (التابعين للجالية الجزائرية) بارتداء قمصان المنتخب المغربي أو رفع أعلامه بهدف ارتكاب أعمال تخريبية أو استفزازية، يبقى أمرا لا ينبغي التعامل معه بمنطق التعميم أو إصدار الأحكام المسبقة على أي فئة أو جماعة دون أدلة أو بيانات رسمية، لكن ذلك لا يمنع من التحلي باليقظة، والامتناع عن الانسياق وراء أي دعوات مجهولة المصدر تدعو إلى التجمعات المشبوهة أو المواجهات أو الرد على الاستفزازات، لأن أي تصرف غير مسؤول قد يُستغل للإساءة إلى صورة الجالية المغربية وإلصاق أفعال أفراد بها زورا أو بهتانا.
ولذلك، فإن أفضل رد يمكن أن يقدمه المغاربة هو التمسك بالحكمة، والاحتفال بطريقة حضارية، وفي إطار احترام القوانين المحلية وتوجيهات السلطات الفرنسية المختصة، وإذا ارتأى بعض أفراد الجالية، بدافع الحرص على سلامتهم وسلامة أسرهم، تجنب التجمعات أو البقاء في منازلهم بعد المباراة، مهما كانت النتيجة، فإن ذلك يبقى خيارا مسؤولا يستحق الاحترام، خصوصا إذا كانت هناك مخاوف من حدوث احتكاكات أو اضطرابات، فسلامة الإنسان وأمن العائلات يظلان فوق كل اعتبار، ولا يمكن لأي نتيجة رياضية أن تكون أغلى من الأرواح أو من استقرار المجتمع.
إن المنتخب المغربي، بما قدمه من مستويات مشرفة في مختلف المحافل، لا يحتاج إلى إثبات مكانته من خلال مظاهر صاخبة في الشوارع، بل إن إنجازاته تتحدث عنه، كما أن صورة الجماهير المغربية الراقية هي الامتداد الطبيعي لما يقدمه اللاعبون داخل الملعب. وكل تصرف مسؤول يصدر عن فرد مغربي في الخارج يمثل رسالة حضارية تعزز مكانة الوطن، وتؤكد أن الروح الرياضية تعلو على الانفعال، وأن الاعتزاز بالهوية الوطنية لا يتعارض أبدا مع احترام القانون والتعايش مع مختلف مكونات المجتمع.
وفي الختام، فإن هذه المباراة، مهما بلغت أهميتها، ستبقى مجرد محطة رياضية عابرة، بينما ستظل الأخلاق، والوعي، واحترام القانون، وحماية الأرواح والممتلكات، هي الانتصار الحقيقي الذي يدوم أثره، فلنجعل من هذا الموعد فرصة جديدة لإبراز الوجه المشرق للجالية المغربية، ولتكن رسالتنا واحدة، نشجع منتخبنا بكل فخر، ونحتفل بكل رقي، ونرفض الإشاعات، ونتجنب الاستفزاز، ونضع أمن أسرنا ووحدة مجتمعنا فوق كل اعتبار.























