قد نفهم أن تتلقف صحافة معادية للمغرب ما نشرته مجموعة تطلق على نفسها اسم «جبروت»، وأن تختار له أكثر العناوين إثارة: «تسريب لائحة سبعين ألف عميل مغربي». وقد نفهم أن توظف الجهات التي تخوض حرباً مفتوحة ضد المملكة هذه المعطيات في حملة نفسية تستهدف مؤسساتها الأمنية، لأن الخصومة، حين تعجز عن إصابة الدولة في الميدان، تحاول إصابة ثقة المجتمع في دولته.
لكن ما يصعب فهمه حقاً هو أن يخرج صحافيون مغاربة وصناع محتوى، يُفترض أنهم جزء من النخبة التي تشرح للناس ما يقع، ليكرروا الرواية نفسها بلا سؤال ولا تحقق ولا حد أدنى من المعرفة التقنية.
هنا لا نتحدث عن نجاح عملية قرصنة لائحة بيانات، بل نتخدث عن نجاح أخطر في اختراق للعقول قبل اختراق الأنظمة.
قالوا إن «جبروت» كشفت سبعين ألف عميل، وكأن جهازاً استخباراتياً في العالم يحتفظ بلائحة بهذا الحجم تحت عنوان جاهز للنشر: «عملاؤنا».
لم يسأل كثيرون ما المقصود أصلاً بكلمة «عميل»، ولا كيف يمكن أن تضم اللائحة موظفين معروفين، ومسؤولين سابقين، وأشخاصاً متوفين، ومعطيات إدارية من قبيل أرقام التأجير وتواريخ التوظيف ومراجع وثائق الهوية.
كان العنوان أكبر من العقل الذي استقبله، وكانت كلمة «عميل» كافية لكي يتوقف التفكير عند كلمة عميل و فقط.
ويبدأ الترديد.
المعطيات المتوفرة لا تثبت اختراقاً لقواعد بيانات المديرية العامة للأمن الوطني أو المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وما نشر، وفق المؤشرات المتاحة، هي ملفات إدارية قديمة يُرجح أنها خرجت من مؤسسات وسيطة تحتفظ، بحكم وظائفها، بمعطيات موظفي الدولة، مثل مؤسسات التأمين أو التغطية الصحية أو التقاعد.
و هذا ما كان يفترض في الصحافي أن يدركه قبل أن يرفع صوته: وجود اسم موظف أمني داخل قاعدة بيانات إدارية لا يعني أن قاعدة بيانات جهازه الأمني قد اختُرقت.
العثور على اسم رجل أمن في ملف لدى مؤسسة للتأمين لا يفتح أبواب المديرية التي يعمل بها، تماماً كما أن تسريب بيانات طبيب من شركة تأمين لا يعني اختراق النظام المعلوماتي للمستشفى الذي يشتغل فيه.
إنها ليست مسألة لغوية، بل جوهر القضية كلها. هناك فرق تقني وسياسي وأمني كبير بين تسريب معطيات شخصية تحتفظ بها جهة ثالثة، وبين اختراق الأنظمة الداخلية والتشغيلية لجهاز أمني أو استخباراتي.
الأول اعتداء خطير على البيانات يستوجب التحقيق والمحاسبة، أما الثاني فيعني الوصول إلى البنية المعلوماتية والملفات العملياتية للمؤسسة. ولا يوجد، إلى حدود الساعة، دليل تقني منشور يثبت وقوع السيناريو الثاني.
ثم إن الملفات نفسها تحمل علامات عمرها. فأحدث تاريخ توظيف جرى رصده فيها يعود، بحسب المعطيات المنشورة، إلى سنة 2020، كما تضم أسماء أشخاص توفوا منذ سنوات، من بينهم عبد الحق الخيام، المدير السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، الذي توفي سنة 2022.
إن اللوائح المنشورة تشبه أكثر قاعدة تشغيلية حية جرى اختراقها حديثاً، أو ربما صورة قديمة أُخرجت من أرشيف إداري ثم نُفض عنها الغبار ووُضعت في واجهة حرب دعائية؟
السؤال وحده كان كافياً لإسقاط عملية البروباغندا، لكن الجهل لا يحب الأسئلة، و لا يحتاج إلى أدلة؛ يكفيه عنوان مثير، وصورة مركبة، مجموعة مقالات تتحدث بثقة عن أمور لا يعرفها.
اختيار اسم عبد اللطيف حموشي ووضعه في واجهة الحملة ليس جزئيا. فالقراصنة لا يهدفون الى نشر ملفات، بل يسعون إلى صناعة صدمة.
كانوا في حاجة إلى اسم يمنح التسريب ثقلاً سياسياً وأمنياً، ويجعل الجمهور يقفز من وجود معطيات شخصية إلى استنتاج سقوط المنظومة الأمنية بأكملها. وهكذا فُصلت أسماء بعينها عن السياق العام، وقُدمت باعتبارها «صيداً استخباراتياً»، بينما قد لا تكون سوى جزء من قاعدة إدارية أوسع تشمل فئات متعددة من موظفي الدولة.
إننا أمام بناء دعائي من ثلاث طبقات: معطيات قد يكون جزء منها حقيقياً، لكنها قديمة وتحتاج إلى التحقق؛ وانتقاء متعمد لأسماء أمنية حساسة؛ ثم عنوان مثير عن «سبعين ألف عميل» صُمم لإحداث أثر نفسي يتجاوز بكثير القيمة التقنية الفعلية لما
نُشر.
إنعا لعنة الجهل.
فالجهل السيبراني ليس نقصا فرديا في المعرفة، بل إنه ثغرة في الأمن المجتمعي. لأن الحرب النفسية لا تنجح فقط بما يملكه الخصم من أدوات، وإنما بما يجده داخل المجتمع المستهدف من قابلية للتصديق والتضخيم وإعادة النشر.
لعن الله الجهل و لكن أبو جهل لازال رفيق دربنا.





















