ابراهيم مدغنة
لم يكن مجرد لقاء كرة قدم، بل كانت ملحمة دراماتيكية ستبقى محفورة في أذهان الجماهير المغربية والعربية لسنوات طويلة، في ليلة حابسة للأنفاس بملعب مونتيري بالمكسيك، أثبت المنتخب المغربي مجددا أن إنجاز مونديال قطر لم يكن طفرة عابرة، بل هو هوية كروية راسخة قوامها الروح القتالية والعزيمة التي لا تلين.
نجح أسود الأطلس في قلب الطاولة على عملاق الكرة الأوروبية، المنتخب الهولندي، والإطاحة به من دور الـ32 بكأس العالم 2026 عبر ركلات الترجيح بنتيجة (3-2)، بعد انتهاء الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل الإيجابي (1-1).
دخل المنتخب المغربي المواجهة وعينه على كتابة تاريخ جديد تحت مظلة المونديال الأمريكي، وطوال الشوط الأول، فرض الانضباط التكتيكي الصارم نفسه على أرضية الميدان، حيث نجحت المنظومة الدفاعية بقيادة شادي رياض وعيسى ديوب في عزل خطورة الهجوم الهولندي وإغلاق المساحات أمام تحركات خط الوسط بزعامة فرينكي دي يونج، لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي وسط حذر متبادل.
ومع انطلاق الشوط الثاني، بادر المنتخب الهولندي لزيادة حدة هجماته وضغطه العالي، وهو ما أسفر عن هدف التقدم في الدقيقة 72 عبر تسديدة مركزة من النجم كودي جاكبو، ليبدو للوهلة الأولى أن الطواحين في طريقها لحسم اللقاء والتأهل، خاصة مع تراجع المخزون البدني وضيق الوقت.
لكن الروح المغربية كان لها رأي آخر في اللحظات الحاسمة، حيث رفض لاعبو الأسود الاستسلام وتوالت التغييرات الهجومية الجريئة بدخول سفيان رحيمي وشمس الدين طالبي لإنعاش الخط الأمامي، وفي الأنفاس الأخيرة من عمر اللقاء، وتحديدا في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع (90+1′)، ارتدى المدافع عيسى ديوب ثوب المهاجم القناص، فارتقى عاليا لعرضية طالبي الذهبية المقوسة، ووجّهها برأسية متقنة وقوية عانقت شباك الحارس الهولندي بارت فيربروغين، مفجرا فرحة هستيرية في المدرجات ومحييا آمال ملايين المشجعين.
امتدت المباراة للأشواط الإضافية التي شهدت إثارة بالغة وتألقا من حارسي المرمى، ليحتكم الفريقان في النهاية إلى ركلات الحظ الترجيحية، وعلى الرغم من الضغط النفسي الهائل وضياع ركلتين للمغرب بواسطة نائل العيناوي وأشرف حكيمي، إلا أن الثبات الذهني وحضور ياسين بونو أثمرا عن إهدار الطواحين لثلاث ركلات عبر كليفرت وتيمبر وسومرفيل، وفي الركلة الخامسة والحاسمة، تقدم النجم إسماعيل صيباري بثقة الكبار، وأطلق قذيفة هزت الشباك الهولندية، معلنا رسميا تأهل المغرب بنتيجة (3-2).
وبهذا الفوز الأسطوري، يثأر المغرب تاريخيا من هزيمته في مونديال 1994، ويضرب موعدا مرتقبا في دور الـ16، مواصلا زحفه بثبات ومؤكدا للعالم أجمع أن أسود الأطلس لا تهاب الكبار.

















