يواجه المغرب تحولات مناخية متسارعة، تتجلى في توالي فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية، بالتزامن مع ارتفاع مخاطر الفيضانات والظواهر الجوية القصوى، في وضعية باتت تلقي بظلالها على قطاعات حيوية، من بينها الفلاحة والبنية التحتية والأنظمة البيئية، وفق معطيات أوردتها يومية «ليكونوميست».
وأفادت الصحيفة بأن فترات الجفاف، التي كانت تصنف في السابق ضمن الظواهر النادرة، أصبحت أكثر تواترا، ما أدى إلى ضغط متزايد على الموارد المائية وتراجع مستويات ملء السدود. كما يفاقم تراكم الأوحال والرواسب داخل الحقينات الوضع، إذ يؤدي سنويا إلى فقدان عشرات ملايين الأمتار المكعبة من القدرة التخزينية للسدود.
وفي المقابل، يسجل المغرب ارتفاعا في وتيرة التساقطات المطرية القوية، التي تتحول في عدد من المناطق إلى سيول وفيضانات مفاجئة. وأصبحت هذه الظواهر من أبرز المخاطر الطبيعية التي تواجه المملكة، بعدما تسببت في اضطرابات متكررة للنشاط الاقتصادي والتجاري والصناعي بعدد من المدن الكبرى، من بينها طنجة والدار البيضاء وأكادير.
وفي مواجهة هذه التحديات، تم إطلاق برنامج وطني لتدبير مخاطر الفيضانات يمتد إلى سنة 2050، بميزانية إجمالية تقدر بنحو 5.7 مليارات درهم، ويرتقب أن يركز على تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار ورفع قدرة المدن والمراكز الحضرية الكبرى على التعامل مع الفيضانات وتقليص الأضرار الناجمة عنها.
وتوجد الفلاحة في صلب التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لهذه التحولات، بالنظر إلى مساهمتها التي تناهز 14 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وارتباط جزء كبير من نشاطها بتوفر الموارد المائية. وقد أظهر جفاف سنة 2022، الذي اعتبر من أشد فترات الجفاف خلال أربعة عقود، حجم هشاشة القطاع أمام التقلبات المناخية، بعدما تراجعت مستويات الإنتاج وتكبدت بعض الأحواض الزراعية الرئيسية خسائر مهمة.
وتشير المعطيات إلى أن الخسائر السنوية في إنتاج الفواكه بلغت نحو 500 ألف طن في عدد من المناطق الفلاحية الرئيسية، خاصة الغرب والحوز وسايس، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي يمكن أن تفرضه ندرة المياه والتغيرات المناخية على الإنتاج الزراعي.
ولا تتوقف تداعيات هذه الوضعية عند حدود الإنتاج، إذ يمكن لاستمرار الجفاف وتراجع النشاط الزراعي أن يزيدا من هشاشة الفلاحة الأسرية، ويقللا من فرص العمل والدخل في المناطق القروية، بما قد يساهم في تسارع الهجرة من القرى نحو المدن بحثا عن مصادر بديلة للعيش.
وتتحمل النساء في الوسط القروي جانبا مهما من هذه التداعيات، إذ يشكلن حوالي 40 في المائة من اليد العاملة الفلاحية، مقابل امتلاكهن نحو 5 في المائة فقط من الأراضي الزراعية، ما يضع جزءا كبيرا منهن أمام هشاشة اقتصادية أكبر في ظل تراجع النشاط الزراعي.
ومع تقلص فرص العمل والدخل محليا، تضطر بعض النساء إلى التنقل لمسافات طويلة تتجاوز 190 كيلومترا بحثا عن فرص العمل، بينما تتجه أخريات إلى الهجرة الموسمية للعمل في ضيعات الفواكه بجنوب إسبانيا.
ويمتد تأثير التغيرات المناخية أيضا إلى السواحل والغابات والأنظمة البيئية، بعدما تسببت موجات الحر البحرية في نفوق جماعي لعدد من الكائنات البحرية، من بينها المحار وبلح البحر، في وقت تسببت فيه الحرائق، خلال الفترة الممتدة بين 1960 و2019، في إتلاف أكثر من 178 ألف هكتار من الغطاء الغابوي.
ويشكل تآكل السواحل بدوره تحديا اقتصاديا متناميا، إذ تقدر كلفته بنحو 434 مليون دولار، في ظل تزايد الضغوط التي تواجه المناطق الساحلية نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتغير الأنماط المناخية.
وتعكس الخسائر البشرية والمادية بدورها حجم التحديات، إذ تشير المعطيات الواردة عن «ليكونوميست» إلى تسجيل نحو 1690 وفاة مرتبطة بالظواهر الجوية القصوى، إضافة إلى تضرر أو تدمير أكثر من أربعة آلاف مبنى جراء الفيضانات والحرائق خلال عقدين.
وتظهر هذه المؤشرات أن تداعيات التغير المناخي في المغرب لم تعد محصورة في ندرة المياه أو انعكاسات الجفاف على الإنتاج الزراعي، وإنما أصبحت تمتد إلى الاقتصاد والبنية التحتية والموارد الطبيعية والأنظمة البيئية والأوضاع الاجتماعية، ما يفرض مواصلة تطوير سياسات التكيف والوقاية ورفع قدرة مختلف القطاعات والمجالات الترابية على مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة.




















