أثار إعلان وزير العمل الفرنسي، جان-بيار فاراندو، عن توجه الحكومة إلى خفض عجز الضمان الاجتماعي بنحو النصف، نقاشا سياسيا واقتصاديا واسعا في فرنسا، في ظل حزمة من الإجراءات المقترحة التي تمس بصورة مباشرة معاشات المتقاعدين ونظامها الضريبي.
وتسعى الحكومة إلى تقليص عجز الضمان الاجتماعي من نحو 22 مليار يورو في 2026 إلى ما بين 12 و13 مليار يورو في 2027. وتأتي هذه الخطط بالتزامن مع عرض مشروعي ميزانية الدولة وميزانية الضمان الاجتماعي لعام 2027 على مجلس الوزراء، قبل انتقالهما إلى المسار البرلماني، حيث يُتوقع أن تكون الإجراءات المتعلقة بالتقاعد في صلب النقاش بين الحكومة والنقابات والقوى السياسية.
وفي ملف التقاعد تحديدا، تستهدف الحكومة تحقيق وفورات بنحو 5.5 مليارات يورو. ويقوم جزء أساسي من الخطة على تعديل آلية فهرسة معاشات التقاعد مع التضخم، لكن بصورة متدرجة بحسب مستوى المعاش.
وبحسب التدابير المطروحة، يُفترض أن تحافظ المعاشات التي لا تتجاوز 1260 يورو شهريا على فهرستها الكاملة مع التضخم، فيما ستخضع المعاشات الواقعة بين 1260 و2034 يورو لزيادة أدنى من معدل التضخم. أما ابتداء من نحو 2034 يورو شهريا، فيُطرح تجميد المعاش الأساسي، أي عدم رفعه بالتوازي مع ارتفاع الأسعار.
وتستهدف الحكومة من تعديل آليات الفهرسة تحقيق وفورات تقدر بنحو 4.1 مليارات يورو.
كما تشمل الإجراءات المقترحة تعديل الامتياز الضريبي الذي يستفيد منه المتقاعدون، من خلال خفض سقف التخفيض الجزافي بنسبة 10 في المائة المطبق على معاشات التقاعد من 4439 يورو إلى 3000 يورو للأسرة الضريبية، وهو إجراء يُنتظر أن يوفر نحو 1.4 مليار يورو إضافية.
وتبرر الحكومة هذه الخيارات بالارتفاع المتوقع لنفقات التقاعد، ووفق المعطيات التي قدمها فاراندو، فإن تكلفة المعاشات قد ترتفع، في غياب إجراءات جديدة، بنحو 13 مليار يورو خلال العام المقبل، يعود نصفها تقريبا إلى التطورات الديموغرافية، فيما يرتبط النصف الآخر بالفهرسة الكاملة للمعاشات مع ارتفاع الأسعار.
ولا تعني التدابير المقترحة خفض القيمة الاسمية للمعاشات، وإنما الحد من وتيرة زيادتها أو تجميد بعضها، وبالتالي، فإن التأثير الأساسي سيظهر على القوة الشرائية الحقيقية للمتقاعدين عندما ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من الزيادة المطبقة على معاشاتهم.
وبموازاة الإجراءات المرتبطة بميزانية 2027، بدأ يظهر في النقاش الفرنسي تصور لإصلاح أوسع لنظام التقاعد، وطرح فاراندو إمكانية اعتماد «سن توازن» مصحوبا بآلية للخصم والمكافأة: خصم بالنسبة لمن يختار التقاعد قبل بلوغ هذا السن، ومكافأة لمن يواصل العمل بعده.
وبحسب التقديرات الأولية التي أشار إليها الوزير، قد يتطلب تحقيق التوازن المالي للنظام تحديد هذا السن عند 65 عاما على الأقل، غير أن هذا التصور لا يشكل، في المرحلة الحالية، قرارا حكوميا نافذا ولا إجراء مدرجا بصورة نهائية ضمن ميزانية 2027، بل يندرج ضمن النقاش حول الإصلاح المستقبلي لنظام التقاعد.
وتبقى مجمل الإجراءات المرتبطة بميزانية 2027 في مرحلة المشروع، وستكون قابلة للتعديل خلال المناقشات البرلمانية، وهو ما يفتح الباب أمام مواجهة سياسية واجتماعية حول معادلة دقيقة تحاول من خلالها الحكومة الفرنسية تقليص عجز الضمان الاجتماعي، من دون تحويل كلفة إعادة التوازن المالي بالكامل إلى المتقاعدين.



















