متابعة
أكد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن الرؤية الملكية في مجال الماء تمثل تحولا استراتيجيا عميقا في طريقة تدبير الموارد المائية بالمغرب، معتبرا أن هذا الملف لم يعد مجرد ورش تقني مرتبط بالبنيات التحتية، بل أصبح قضية سيادة وطنية ترتبط مباشرة بمستقبل البلاد واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي والغذائي.
وأوضح بركة، خلال الملتقى المؤسسي لوكالة المغرب العربي للأنباء، اليوم الأربعاء، أن المؤسسة الملكية اضطلعت عبر التاريخ بدور محوري في بناء “حضارة الماء” بالمغرب، من خلال توجيه مختلف المراحل التاريخية نحو تطوير حلول مبتكرة لضمان الأمن المائي.
وأضاف أن الملك محمد السادس رسخ رؤية بعيدة المدى تقوم على ضمان الولوج المستدام إلى الماء، ليس فقط عبر إنجاز السدود والبنيات التحتية، بل من خلال مقاربة شاملة تنسجم مع مبادئ الدستور، خاصة ما يتعلق بالتنمية المستدامة والعدالة المجالية والتنمية البشرية.
وشدد الوزير على أن الماء أصبح اليوم “إرثا تاريخيا وحقا أساسيا ورافعة استراتيجية للمستقبل”، مبرزا أن الرؤية الملكية ترتكز على خمسة محاور كبرى تجعل من السياسة المائية مشروعا وطنيا للسيادة والتنمية المستدامة.
وفي هذا السياق، أبرز أن المحور الأول يتمثل في اعتبار السيادة المائية جزءا لا يتجزأ من السيادة الوطنية، موضحا أن التحول الذي عرفه المغرب منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش هو الارتقاء بالماء إلى مستوى قضية استراتيجية.
وأشار إلى أن الخطاب الملكي خلال افتتاح المجلس الأعلى للماء والمناخ سنة 2001 كرس هذا التوجه، مؤكدا أن التحكم في الموارد المائية شرط أساسي لضمان استقرار الدول وقدرتها على مواجهة الأزمات العالمية.
كما أوضح أن الماء يرتبط بشكل مباشر بالأمن الغذائي والصناعة والطاقة، بل وحتى بالتطور التكنولوجي، معتبرا أن غياب الماء يعني غياب شروط التنمية الشاملة.
وفي ما يتعلق بالمحور الثاني، المتعلق بالصمود المائي، أكد بركة أن السياسات المائية لم تعد مبنية على المعطيات المناخية التقليدية، بل على الاستعداد للظواهر القصوى المرتبطة بالتغير المناخي.
وأوضح أن الرؤية الملكية تقوم على الاستباق والتكيف، من خلال التخطيط طويل الأمد، وبناء السدود، وتطوير محطات تحلية المياه، وحماية الفرشات المائية، إلى جانب اعتماد مخططات مائية مندمجة على مستوى الأحواض.
وأضاف أن المغرب يعمل على تنويع مصادر المياه، وتعزيز اقتصاد الماء، وحماية الموارد الجوفية لضمان استدامة التزويد.
وفي محور السيادة التكنولوجية، أشار الوزير إلى أن المغرب راكم خبرة مهمة في الهندسة الهيدروليكية وبناء السدود، حيث يتوفر حاليا على 156 سدا، إضافة إلى 14 سدا كبيرا قيد الإنجاز، لافتا إلى أن نصف هذه المنشآت تم إنجازها في عهد الملك محمد السادس.
كما كشف عن تطوير تقنيات وطنية في بناء السدود، وإطلاق “كلستر” خاص بقطاع الماء لتعزيز الابتكار في مجالات التحلية وإعادة استعمال المياه والتقنيات الرقمية المرتبطة بتدبير الموارد المائية.
أما بخصوص العدالة المجالية، فأبرز بركة وجود تفاوت كبير في توزيع الموارد المائية، حيث تتركز 54 في المئة من المياه في 7 في المئة فقط من التراب الوطني، ما يستدعي، حسب قوله، تعزيز التضامن بين الجهات.
وتوقف عند مشروع “الطريق السيار للماء” الذي ساهم في تأمين التزود بالماء لنحو 11 مليون مواطن بين الرباط والدار البيضاء، عبر تحويل كميات مهمة من المياه.
وأشار إلى التوجه نحو توسيع هذا المشروع لربط شمال المملكة بحوض أم الربيع، بما يسمح بتحويل كميات كبيرة من المياه سنويا، وتعزيز الأمنين المائي والغذائي.
وفي ما يخص تحلية مياه البحر، أوضح أن المغرب يستهدف بلوغ قدرة إنتاجية تصل إلى 1,7 مليار متر مكعب في أفق 2030، لتغطية 60 في المئة من حاجيات الماء الصالح للشرب، مع تخصيص جزء مهم من هذه الموارد للري.
أما المحور الرابع، فيتعلق بالاستدامة، حيث شدد الوزير على ضرورة ترشيد الاستهلاك، وحماية الفرشات المائية، وإعادة استعمال المياه العادمة، وحماية الأنظمة البيئية، مع مواجهة التحديات المرتبطة بالفيضانات والتلوث وتوحل السدود.
وفي المحور الخامس، أبرز بركة أن المغرب يعتمد على دبلوماسية مائية نشطة، تقوم على تقاسم الخبرات والتجارب، خاصة مع الدول الإفريقية، مشيرا إلى الجائزة العالمية الكبرى للحسن الثاني للماء كأحد تجليات هذا التوجه.
واختتم الوزير بالتأكيد على أن المغرب دخل مرحلة جديدة في تدبير الماء، تقوم على الاستباق والابتكار والسيادة والتضامن المجالي، معتبرا أن “معركة الماء” ستكون من أبرز تحديات القرن الحادي والعشرين.





















