باحدة عبد الرزاق
يدخل حزب التجمع الوطني للأحرار سباق الانتخابات التشريعية المقبلة بقوة ميدانية لافتة، مستندا الى تعبئة جماهيرية كبيرة وحضور مكثف لقياداته في مختلف المناطق، في مؤشر على أن الحزب لا يخوض الاستحقاق المقبل بمنطق الدفاع عن موقعه السياسي فقط، وإنما يسعى بوضوح الى المنافسة على صدارة النتائج.
ومن خلال متابعة اللقاءات التواصلية التي ينظمها الحزب خلال الحملة الانتخابية، يبرز عامل يصعب تجاهله في قراءة المشهد: حجم الحضور الجماهيري. ففي قرية با محمد تجاوز عدد الحاضرين خمسة آلاف مواطن، فيما فاق الحضور في عين جوهر ستة آلاف مواطن، بينما سجل جرف الملحة رقما أكبر، بتجاوز عشرة آلاف مواطن خلال اللقاء الذي حضره عزيز أخنوش.
وبصرف النظر عن تحويل هذه الارقام مباشرة الى توقعات انتخابية، فإن تكرار هذه المشاهد في مناطق مختلفة يحمل دلالة سياسية وتنظيمية واضحة. فالحزب يظهر قدرة كبيرة على التعبئة والوصول الى المواطنين، وتحريك قواعده ومناضليه ومرشحيه، وتنظيم لقاءات انتخابية ذات حضور جماهيري واسع.
خمسة آلاف في قرية با محمد، وأكثر من ستة آلاف في عين جوهر، وأكثر من عشرة آلاف في جرف الملحة، ليست مجرد أرقام منفصلة، وإنما جزء من صورة ميدانية تتشكل تدريجيا خلال الحملة. وهي صورة تقدم الاحرار كحزب حاضر بقوة في الميدان، وليس فقط داخل المؤسسات أو في النقاش السياسي والإعلامي.
واللافت في هذه الحملة أن الحزب لا يعتمد فقط على مرشحيه المحليين، بل جعل من حضور القيادات الوطنية والمحلية أحد أهم عناصر استراتيجيته التواصلية. رئيس الحكومة عزيز أخنوش، ووزراء وقيادات حزبية ومنتخبون، ينزلون الى المناطق لدعم المرشحين والتواصل المباشر مع المواطنين.
وهذا الحضور القيادي يؤدي وظيفة انتخابية واضحة: تحويل اللقاءات المحلية الى فضاءات لمناقشة الحصيلة الحكومية، والدفاع عنها أمام المواطنين، ثم تقديم البرنامج الانتخابي للحزب والحديث عن رهانات المرحلة المقبلة.
بمعنى آخر، الاحرار يحاولون أن يجعلوا الحملة الانتخابية مناسبة لتقديم الحساب السياسي أمام الناخب، وليس فقط مناسبة للتعبئة الحزبية. الحزب يقول للمواطنين ما الذي يعتبره قد تحقق خلال الولاية الحكومية، وما الذي يريد استكماله خلال المرحلة المقبلة، ويترك للناخب مهمة تقييم هذه الحصيلة.
وهذه المقاربة تنسجم أيضا مع الخطاب الذي يحاول الحزب ترسيخه خلال حملته، والقائم على جعل البرامج في صلب المنافسة الانتخابية. لذلك لا يبدو التجمع الوطني للأحرار راغبا في تحويل حملته الى حرب مفتوحة مع باقي الاحزاب، بقدر ما يركز على الدفاع عن حصيلته وتقديم برنامجه.
ومن هذا المنطلق تأتي دعوة الامين العام محمد شوكي الاحزاب السياسية الى التنافس عبر البرامج، وليس عبر النقاشات الفارغة والجانبية. وهي رسالة سياسية واضحة مفادها أن المعركة الانتخابية، من وجهة نظر الاحرار، ينبغي أن تدور حول ما يمكن لكل حزب أن يقدمه للمغاربة، وليس حول السجالات التي تستهلك النقاش السياسي دون أن تقدم أجوبة عملية للناخبين.
لكن الأهم أن الحزب يجمع بين الخطاب البرنامجي والعمل التنظيمي على الارض. فالحملة ليست مجرد خطب ووعود، وإنما أيضا تعبئة للقواعد، وحضور للقيادات، ولقاءات مباشرة مع المواطنين في المدن والقرى والمناطق التي يخوض فيها مرشحوه المنافسة.
وهنا تظهر أهمية الارقام التي بدأت تفرزها اللقاءات التواصلية. فالحضور الذي تجاوز خمسة آلاف في قرية با محمد، وتجاوز ستة آلاف في عين جوهر، ووصل الى أكثر من عشرة آلاف في جرف الملحة، يقدم مؤشرا على أن الحزب يمتلك ماكينة تنظيمية قادرة على إخراج حملته من الفضاء الافتراضي الى الشارع والميدان.
صحيح أن التجمع الانتخابي لا يساوي صندوق الاقتراع، وأن عدد المشاركين في لقاء جماهيري لا يمكن ترجمته آليا الى عدد الاصوات. لكن تجاهل هذه المشاهد سيكون بدوره خطأ في قراءة الانتخابات، لأن القدرة على التعبئة والحضور الميداني تظل أحد العناصر الأساسية في أي منافسة انتخابية.
ومن هنا، فإن الصورة التي يرسمها التجمع الوطني للأحرار حاليا هي صورة حزب يدخل الانتخابات وهو في حالة تعبئة، وليس حزب ينتظر موعد الاقتراع للدفاع عن مكتسباته. قياداته تنزل الى الميدان، مرشحوه يتحركون، قواعده تحشد، واللقاءات التواصلية تسجل حضورا جماهيريا كبيرا في أكثر من منطقة.
والرسالة التي تحملها هذه التحركات واضحة: الاحرار يريدون أن يكونوا في قلب معركة الصدارة.
























