أم هاشم
حين ينسب صحافي إلى شخصية عمومية واقعة محددة وأقوالا محددة، ثم يخرج الشخص المعني مباشرة لينفيها، فإن السؤال المهني يصبح واضحا: أين الدليل؟
هذا ما ينطبق على الرواية التي قدمها سليمان الريسوني بشأن اتصال نسبه إلى المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة برئيس الحكومة السابق سعد الدين العثماني، وما تضمنته من عبارات ومواقف منسوبة إلى الهمة في حق العثماني وحزب العدالة والتنمية. فقد نفى العثماني الرواية، مؤكدا أنه لم يسبق له أن سمع من مستشار ملكي كلمة نابية في حقه أو في حق الحزب، وأن علاقته بمستشاري الملك كانت قائمة على الاحترام والتعاون.
وبعد العثماني، جاء دور عبد الصمد الإدريسي، الذي نفى بدوره ما نسب إليه الريسوني، ولم يكتف بذلك، بل قدم رواية مفصلة عن طبيعة علاقته به وزياراته له داخل السجن، قبل أن يتحدث عن مراسلات قال إنها جرت بينهما في 13 أبريل 2025، عقب رفضه، وفق روايته، طلبا من الريسوني للمساهمة في إعداد مادة لكتاب.
الإدريسي قال إن الريسوني انتقل، بعد رفضه، إلى ما وصفه بـ”الابتزاز الصريح”، متهما إياه بالتهديد بنشر أقوال منسوبة إليه، قال الريسوني، بحسب رواية الإدريسي، إنه سمعها من بعض الزملاء أو بقيت عالقة في ذهنه. والأهم أن الإدريسي تحدث عن احتفاظه بالمراسلات والتوثيقات التي قال إنها تثبت روايته، وأعلن استعداده لنشر المحادثة التي جرت بينهما في ذلك التاريخ.
وهنا تطرح واقعة الإدريسي سؤالا آخر لا يقل أهمية عن سؤال الدليل: ماذا يبقى من أخلاقيات العلاقة بين الصحافي ومصادره إذا انتهى الأمر بالمصدر إلى الظهور أمام الرأي العام ونفي ما نسب إليه، بل والدخول في مواجهة علنية مع الصحافي؟ فالمصدر، في العمل الصحافي، ليس مجرد اسم يستعمل لتقوية رواية أو إضفاء المصداقية عليها، وإنما مسؤولية مهنية تقتضي الدقة في النقل، واحترام السياق، وعدم تحميل المصدر ما لم يقله. وإذا كان المصدر قد أصبح هو نفسه موضوعا للنشر والاتهام، فإن السؤال لا يعود فقط: من قال ماذا؟ بل أيضا: كيف نُقلت المعلومة، وتحت أي شروط، وعلى أي أساس نُسبت؟
هنا تحديدا يصبح الأمر أكثر من مجرد تبادل للاتهامات. نحن أمام روايتين متعارضتين، وأمام حديث عن مراسلات ووثائق يفترض أن تكون هي الفيصل، لا قوة العبارة ولا ارتفاع نبرة الخطاب.
لكن اللافت في رد الريسوني على الإدريسي أنه لم يقدم، في النص الذي نشره، أدلة تفصيلية على ما نسبه إليه، بقدر ما لجأ إلى القسم، قائلا: “اللهم إن أنا كذبت…”، ومستعينا بالدعاء على نفسه بالعذاب إن كان كاذبا.
يا سليمان، القسم و”الحلوف” لا يقومان مقام الدليل. الصحافة لا تثبت الوقائع بالأيمان، وإنما بالوثائق والقرائن والشهادات والمصادر التي يمكن التحقق منها. وسبق أن أقسمت نافيا أمام المحكمة التهم الموجهة إليك في قضية آدم، قبل أن تصدر محكمة الاستئناف بالدار البيضاء سنة 2021 حكما بإدانتك بخمس سنوات سجنا نافذا.
والأكثر إثارة أن ردك على الإدريسي لم يتوقف عند النفي أو تقديم الأدلة، بل تضمن عبارات مهينة وتهديدية، وأقحم أسماء وملفات أخرى، مستندا في بعض اتهاماته إلى “إخوان” وصفهم بالمصداقية، من دون أن يعرف الرأي العام من هم، أو كيف جرى التحقق من الروايات التي نقلوها.
وهنا يصبح السؤال مهنيا بامتياز: هل نحن أمام مادة صحافية تستند إلى قواعد التحقق والإسناد، أم أمام سجال شخصي بأسلوب بات مألوفا لدى بعض اليوتيوبرز، من جيراندو والفرشة ومن على شاكلتهم، حيث تتحول الحجة إلى شتيمة، والمعلومة إلى اتهام، والدليل إلى قسم؟
يا سليمان و بكل حسن نية، الممكن، إذا أنت اليوم تقول الحقيقة، فكم من الأخبار صرح لك بها وهي في الواقع “حتيت لن يتحمل مسؤوليته أحد” !،
إذا كانت رواية الهمة والعثماني صحيحة، فالدليل هو الذي يثبتها. وإذا كانت الأقوال المنسوبة إلى الإدريسي صحيحة، فالمراسلات والوثائق هي التي تؤكدها. أما تحويل النقاش إلى أيمان واتهامات وشتائم، فلن يعفي أي صحافي من السؤال الأساسي: أين الدليل؟
بيني وبينك أخلاقيات المهنة والقانون.




















