لا تشبه مباريات الأدوار الإقصائية أي مواجهة أخرى في كأس العالم، فكل ما تحقق في دور المجموعات يصبح جزءا من الماضي، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى عوامل قد تحدد هوية المتأهل، ومن هذا المنطلق يدخل المنتخب المغربي مباراته أمام هولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2026، وسط أجواء من التركيز والانضباط، مدعومة بثقة اكتسبها من مساره المميز في دور المجموعات.
منذ الوصول إلى مدينة مونتيري المكسيكية، فرض الطاقم التقني برنامجا خاصا يراعي متطلبات المباراة الإقصائية، فقد توزعت الحصص التدريبية بين استعادة الجاهزية البدنية، والعمل على التفاصيل التكتيكية، وتصحيح بعض الجزئيات التي ظهرت خلال مباريات الدور الأول، مع الحرص على الحفاظ على النسق التصاعدي الذي ظهر به المنتخب.
وأكد المدرب محمد وهبي، خلال الندوة الصحفية التي سبقت اللقاء، أن مواجهة هولندا تختلف كليا عن مباريات المجموعة، موضحا أن الفريق مطالب بإيجاد “حلول مختلفة”، لأن كرة القدم في الأدوار الإقصائية تفرض ذهنية خاصة، ولا تسمح بهامش الخطأ الذي كان متاحا في الدور الأول.
وأشار وهبي إلى أن المنتخب المغربي أثبت خلال مبارياته السابقة قدرته على اللعب بأكثر من أسلوب، فقدم مباراة منضبطة دفاعيا أمام البرازيل، وأظهر صلابة كبيرة أمام اسكتلندا، قبل أن يكشف عن فعاليته الهجومية أمام هايتي، وهو ما يمنحه مرونة تكتيكية يمكن توظيفها أمام المنتخب الهولندي.
ومن أبرز معالم التحضير للمواجهة أن الجهاز الفني لم ينظر إلى المباراة الأخيرة في دور المجموعات باعتبارها هدفا في حد ذاتها، بل جزءا من خطة تمتد إلى الأدوار الإقصائية، لذلك تم تدوير عدد من اللاعبين وإراحة بعض العناصر الأساسية لتفادي الإرهاق، مع المحافظة على النسق التنافسي للفريق.
ويرى الطاقم الفني أن الحفاظ على الجاهزية البدنية أصبح عنصرا حاسما في بطولة تقام وسط درجات حرارة مرتفعة وجدول مباريات متقارب، وهو ما جعل إدارة الأحمال البدنية تحتل مكانة أساسية في برنامج الإعداد.
وفي المؤتمر الصحفي، بدا الحارس ياسين بونو هادئا وواثقا، مؤكدا أن المنتخب أنهى استعداداته في أجواء إيجابية، وأن اللاعبين يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، لكنهم يدخلون المباراة بثقة نابعة من العمل الذي أنجز خلال الأشهر الماضية، وليس من الإنجازات السابقة فقط.
وتعكس تصريحات بونو حالة الاستقرار الذهني التي يسعى الجهاز الفني إلى ترسيخها، بعيدا عن الضغوط الإعلامية أو المقارنات مع إنجاز مونديال قطر 2022.
في المقابل، لا ينظر المنتخب الهولندي إلى المغرب باعتباره منافسا عاديا، فالمدرب رونالد كومان وصف المباراة بأنها ربما جاءت مبكرا بين منتخبين يمتلكان المقومات للوصول إلى مراحل متقدمة من البطولة، مشددا على أن فريقه استعد بعناية للتعامل مع نقاط القوة المغربية.
أما القائد فيرجيل فان دايك، فقد خص بالذكر عددا من لاعبي المنتخب المغربي، وفي مقدمتهم أشرف حكيمي، الذي اعتبره أحد أفضل الأظهرة في العالم، إلى جانب إشادته بإسماعيل الصيباري، وابراهيم دياز، والموهبة الصاعدة أيوب بوعدي، وهو ما يعكس حجم الاحترام الذي يحظى به المنتخب المغربي داخل المعسكر الهولندي.
ولا تتوقف أهمية المباراة عند حدود المنافسة الرياضية، إذ ترى الصحافة الأوروبية أنها تحمل أبعادا إنسانية وثقافية أيضا، بالنظر إلى وجود جالية مغربية كبيرة في هولندا، وإلى كون عدد من لاعبي المنتخب المغربي تلقوا تكوينهم الكروي داخل الأكاديميات الهولندية قبل اختيار تمثيل المغرب.
وتشير تقارير صحفية بريطانية إلى أن هذا التداخل يجعل المواجهة ذات طابع خاص، دون أن يفقدها بعدها الرياضي الخالص، حيث يلتقي منتخبان يحتلان مكانة متقدمة في كرة القدم العالمية، ولكل منهما طموح مشروع لمواصلة المشوار.
تكشف مجمل المؤشرات أن المنتخب المغربي يدخل المباراة وهو يدرك حجم التحدي، لكنه في الوقت نفسه يمتلك قناعة راسخة بقدرته على المنافسة. فالتحضير لم يكن قائما على الحماس وحده، بل على قراءة دقيقة للمنافس، وإدارة مدروسة للمجهود البدني، وإعداد ذهني ينسجم مع طبيعة مباريات خروج المغلوب.
أما المنتخب الهولندي، فيدخل المواجهة بالاحترام نفسه والحذر ذاته، وهو ما يجعل اللقاء مرشحا ليكون من أقوى مباريات هذا الدور، حيث تتقاطع الطموحات، وتتشابه مستويات المنتخبين، بينما تبقى التفاصيل التكتيكية، والانضباط الذهني، واستغلال الفرص، هي العناصر التي قد تحسم بطاقة العبور إلى الدور المقبل.

















