بقلم نجيبة جلال
يبدو أن ندوات رئيس الحكومة عزيز أخنوش أصبحت أشبه بنادٍ خاص، لا يحضرها إلا الصحافيون المقربون… بدعوات تُصدر بمنطق أقرب إلى البلاط منه إلى ندوة حصيلة حكومية.
في النسخة المعاصرة من فنون التواصل الحكومي، لم يعد أصعب ما في الندوة الصحفية هو الإجابة عن الأسئلة، بل اختيار من يملك حق طرحها. فظهرت لنا في المشهد تلك “الهيئة غير المعلنة” التي تنتقي وتختار من هم مرضيو أخنوش.
هيئة غير معلنة تعتمد استراتيجية غير مُعلنة: تقليص عدد الأسئلة المزعجة عبر تقليص عدد من يطرحها. معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها خطيرة في أثرها. لأن النتيجة النهائية ليست فقط إقصاء صحفيين، بل إضعاف حق المواطن في معرفة ما يجري.
من زملائنا من حضر، ولا شك لدينا في مهنيتهم، لكن الوفد الصحفي اخترقه أيضاً متعهدو حفلات، لا علاقة لهم بالتحليل السياسي ولا بالحضور المهني. فغاب عن “وفد المرحلة” صحفيون وصحفيات، ومنابر لم تُدعَ رغم دورها في تأطير الرأي العام. وهذا رغم كل الانتقادات التي لطالما طالت تواصل أخنوش. فمن يُدبّر لائحة المدعوين؟ وبأي معيار؟ ومن من مقربي أخنوش “باغي الخدمة فاخنوش”؟
فهل السيد رئيس الحكومة يخاف من الصحفيين؟ أم أن من يدبّر هذه الدعوات لديه حساسية مفرطة تجاه كل من يطرح سؤالاً كاملاً غير منقوص؟ لأن ما وقع لا يمكن تفسيره فقط بسوء تنظيم… هذا أقرب إلى “هندسة صمت” منه إلى خطأ بروتوكولي.
يذكرني هذا الأمر بالبلاطات الإمبراطورية الصينية، حين كانت دوائر القرب تتحكم في الوصول إلى سيدي الإمبراطور، والتي تحكي القصص التاريخية أنها لم تكن تقوم دائماً بذلك لتحميه، بل أحياناً لتعزله تدريجياً عن الواقع… وفي ندوة رئيس الحكومة، نحن أمام عزل ممنهج للحقيقة ولأخنوش نفسه.
بهذا المنطق، يفقد اللقاء الصحفي معناه كآلية مساءلة. فالصحافة لا تُدعى لتُزيّن المشهد، ولا لتأكل “كعب غزال” وحلويات رئيس الحكومة، بل لتُمارس وظيفة رقابية. وعندما يُعاد تعريفها وفق منطق “من نُحب ومن لا نُحب”، فإننا ننتقل من منطق الحق إلى منطق الامتياز.
الأخطر أن هذا الأسلوب لا يُقصي الصحفي فقط، بل يُقصي المعلومة نفسها. لأن الصحفي الذي أقصته دائرة أخنوش سيبحث عن المعلومة بطرق أخرى، وقد يجدها في مصادر غير رسمية.
إن احترام الصحافة هو الانفتاح على أسئلتها، خصوصاً تلك التي تُقلق. لأن المصداقية لا تُبنى في بيئة مُعقّمة ومختارة، بل في فضاء يحتمل الاختلاف والضغط.
إن “صحافة رئيس الحكومة” فعلاً تحولت إلى “بلاط”، والدعوة أصبحت أداة انتقاء، وندوات الحصيلة لم تعد فرصة لبناء الثقة… بل لحظة إضافية لتآكلها.





















