ليست قوة المسؤول في عدد القرارات التي يصدرها، ولا في حجم الصلاحيات التي يتوفر عليها، بل في قدرته على أن يكون حاضرا حين يحتاج إليه الناس، وأن يشعر من يعملون تحت مسؤوليته بأنهم ليسوا مجرد أرقام في سجلات إدارية، بل أمانة تستحق الرعاية والاهتمام والتقدير. ولعل الزيارة التي قام بها عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، للضابط المصاب بمستشفى محمد السادس الجامعي بأكادير، تختزل كثيرا من هذه المعاني الإنسانية النبيلة.
هناك، على سرير المرض، يرقد رجل اختار أن يؤدي واجبه، فكان جزاؤه أن تعرض لدهس متعمد خلف له كسورا وإصابات جسدية بليغة. وفي لحظة كان فيها أحوج ما يكون إلى الاطمئنان والمؤازرة، وجد إلى جانبه مسؤولا لم يكتف بتلقي التقارير عن حالته الصحية، ولم يترك الأمر لتدبير المصالح الإدارية، بل حرص على أن تصله رسالة التضامن بنفسه، من خلال زيارة تفقدية حملت في طياتها ما هو أكبر من الكلمات.
قد تبدو الزيارة في ظاهرها إجراء تفقديا عاديا، لكنها في عمقها تحمل رسالة إنسانية قوية: أن رجل الأمن الذي يقف في الشارع لحماية المواطنين، ويعرض جسده للخطر دفاعا عن النظام العام، يستحق بدوره أن يجد من يقف إلى جانبه عندما يصاب، وأن يشعر بأن المؤسسة التي ينتمي إليها لا تتذكره فقط حين يكون في الميدان، بل تظل حاضرة معه حين يشتد عليه الألم.
وهنا تحديدا تكمن دلالة تصرف حموشي. فهو لا يدير جهازا أمنيا فحسب، بل يحرص على بناء مؤسسة يشعر أفرادها بأن الدولة التي يخدمونها لن تنسى تضحياتهم، وأن كرامتهم وسلامتهم جزء من كرامة المؤسسة وهيبتها. لذلك لم تتوقف العناية عند الاطمئنان على الحالة الصحية للضابط، بل امتدت إلى اتخاذ قرار بترقيته استثنائيا إلى درجة ضابط أمن، اعترافا بشجاعته وتضحيته، مع التكفل بجميع نفقات علاجه واستشفائه، وتعبئة المصالح الصحية والاجتماعية لتوفير كل أشكال الدعم له ولأسرته.
إنها تفاصيل قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها بالنسبة إلى رجل يرقد تحت وطأة الألم، ولأسرة تعيش قلق الإصابة ومضاعفاتها، تعني الكثير. تعني أن هناك من يفكر في مصيره، ومن يتحمل معه أعباء محنته، ومن يقدر أن خلف الزي الرسمي إنسانا له أسرة وأحلام وحق في الرعاية والاحتضان.
وفي هذا السلوك القيادي، نستحضر النموذج الذي ما فتئ صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يكرسه في تدبير شؤون الوطن، والقائم على جعل الإنسان في صلب الاهتمام، وترسيخ قيم التضامن والتآزر والتكافل، والحرص على أن تظل مؤسسات الدولة قريبة من المواطنين، حاضرة في أفراحهم ومحنهم، ومنتصرة لكرامتهم. فالوفاء للتوجيهات الملكية لا يقاس بالشعارات وحدها، وإنما بما يتحول منها إلى ممارسة يومية وسلوك مؤسساتي ملموس.
ومن هذا المنطلق، فإن ما قام به حموشي يتجاوز حدود زيارة مسؤول لموظف أصيب أثناء العمل؛ إنه تعبير عن ثقافة في القيادة قوامها المسؤولية والوفاء والاعتراف بالجميل. وهو أيضا درس في أن الصرامة الأمنية لا تتعارض مع الرحمة، وأن قوة القائد لا تنقص حين يقترب من مرؤوسيه، بل تزداد حين يعرف متى يكون حازما ومتى يكون سندا إنسانيا لمن يعملون معه.
ولعل أجمل ما يمكن أن تتركه هذه الواقعة في نفوس نساء ورجال الأمن هو ذلك الشعور بأن تضحياتهم لا تضيع، وأنهم حين يخرجون إلى الشارع لحماية الناس، فإن وراءهم مؤسسة تعرف قيمة ما يقدمونه، ولا تتخلى عنهم عندما يدفعون من صحتهم وسلامتهم ثمن أداء الواجب.
إن الوطن الذي نريده ليس فقط وطنا يحميه رجاله، بل وطنا يحمي أيضا رجاله، ويصون كرامتهم، ويحتضنهم حين تنال منهم مخاطر المهنة. فكما يحتاج المواطن إلى شرطي يحميه، يحتاج الشرطي بدوره إلى مؤسسة تحميه وتسانده وتنصفه.
ولذلك، فإن صورة حموشي وهو يقف إلى جانب الضابط المصاب تستحق أن نتوقف عندها طويلا؛ لأنها تذكرنا بأن أعظم معاني المسؤولية ليست دائما في المكاتب والاجتماعات والقرارات الكبرى، بل قد تختصرها زيارة إلى سرير مريض، ويد تمتد للمواساة، وكلمة تطمئن أسرة، وقرار يعيد الاعتبار لرجل لم يفعل سوى أنه كان في المكان الذي فرضه عليه واجبه الوطني.
فطوبى لكل مؤسسة لا تنسى أبناءها، وطوبى لكل مسؤول يدرك أن من يهبون أمنهم وسلامتهم للوطن يستحقون أن يجدوا الوطن إلى جانبهم حين يحتاجون إليه.



















